Post Image

مي شدياق: عندما رغبت في الإنجاب... سرقوا حياتي مني!


الأربعاء 2015/01/14

تانيا زهيري - بيروت

في 25 أيلول من عام 2005، شكّلت محاولة اغتيال مي شدياق مفترق طريق مؤلماً ومأساوياً في حياتها كإنسانة وإعلامية وامرأة قبل كل شيء... لكن المحنة والمعاناة والعمليات الجراحية التي وصلت إلى 36، والآلام المبرحة التي ما فارقت جسدها حتى الآن، لم تستطع إزالة الابتسامة المميّزة عن وجهها ولا أن تقتلع العزيمة والثبات الكامنين في داخلها... مهما اختلف المرء معها سياسياً، لا يختلف اثنان على قوة إرادتها وصلابة شخصيتها، برغم لحظات الضعف البشرية الإنسانية التي تخلّلت مسيرة آلامها. هذه التجربة المغمّسة بالدم والألم كانت محور لقائنا مع الإعلامية الدكتورة مي شدياق.

 دخلت غاضبة بعد تأخرها عن الموعد لسبب خارج عن إرادتها، لكنها ما لبثت أن استعادت ابتسامتها المعهودة، فكان السؤال البديهي:

 برغم معاناتك، نراك دائمة الابتسام والتفاؤل، ما الذي يجعلك بهذه القوة الداخلية؟ أم أن الابتسامة مجرّد قناع يخفي الدموع؟

- أنا أعيش واقع المضحك المبكي. أحاول أن أكون قاسية نوعاً ما، لكن الطبع يغلب التطبّع، وهذا طبعي وأنا متفائلة دائماً به، وأنظر دوماً إلى النصف الملآن من الكوب، وفمي لوحده يرسم الابتسامة على شفتيّ، ولعل هذا خطأ تقني. صحيح أنني أمرّ أحياناً في وضع لا أستطيع تخطّيه، ولكن ما إن أشعر بالتحسّن قليلاً حتى يطغى عليّ طابع المرح. وحكمتي المفضّلة التي أتبعها في الحياة هي «إضحك تضحك لك الدنيا، إبكِ تبكِ وحدك». وربما لو أن الله لم يعطني تلك النعمة لكانت حالتي أسوأ بكثير، إذ ليس سهلاً أن أخضع لست وثلاثين عملية جراحية مع العذابات وآلام العظام والحريق، كما أن المناعة الذاتية عندي انخفضت كثيراً وصرت أكثر عرضة للأمراض. صعب التأقلم مع هذا الواقع، لذلك أحمد ربي على شخصيتي التي تجعلني دائماً أندفع إلى الأمام وأخطط لمشاريع مستقبلية.

 ذكرت أوقات المعاناة الصعبة، فهل تجعلك تلك اللحظات في حالة يأس وانكسار وكره للحياة؟

- «الألم لصاحبه». والوجع أحياناً يقتل كل طاقة عندي، فكنت أناجي ربي قائلةً «يا ربي دخلك، إذا كنت بتحبّني لهالدرجة، خدني لعندك، ما بقى قادرة إتحمّل»! نعم، مررت بهذه المرحلة..

 وما هي أسلحتك لمواجهتها والتغلّب عليها؟

- الإيمان. صحيح أنني أضعف أحياناً، ولكن أعود وأتقبّل واقعي. بالإضافة إلى تركيبتي وتكويني، حيث إن عقلي لا يكفّ عن العمل لدرجة أن جسدي أحياناً لا يستطيع مواكبته، لذلك فالسرعة التي يعمل فيها لا تتيح لي مجالاً كي أفكّر في همّي، إذ عليّ اللحاق بما يخطّط له، ما يجعلني في حالة استنفار دائم برغم الوجع الذي أعانيه. وغالباً، عندما أقول لوالدتي إنني لم أستطع النوم طوال الليل، تقول لي «حطّي عقلك على جنب، ريحيه  وارتاحي».

 بعد كتابك الأول Le Ciel m’attendra، أصدرت مؤخراً La Télévision mise a nu، هلا أخبرتنا عنه؟

- أولاً، الكثيرون ترجموا اسم الكتاب بشكل لم يرُق لي أي «التلفزيون معرّى» وما شابه، فاخترت أن تكون الترجمة «التلفزيون إن حكى». وهو يحكي عن كواليسه وخفاياه والتأثيرات السياسية وما إلى ذلك. والمفارقة أنني بعد توقيع الكتاب بساعات قليلة، سافرت إلى فيينا للمشاركة في ندوة حول تطبيق قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالمرأة والسلام، وبعد عودتي شاركت في تصوير حلقة كلام الناس في الليلة نفسها بالإضافة إلى التزاماتي الأخرى.. فأسأل نفسي أحياناً ما الذي يجبرني على كل ذلك؟!

 «المرأة الخارقة»؟

- أحاول، ولكن أحياناً «برفع العشرة». أستسلم وأرغب في أخذ فرصة من الحياة كلها لأن الوجع يلازمني باستمرار خصوصاً ألم العظام. فيقول لي جسمي أحياناً «وماذا بعد؟! لم تعودي ابنة عشرين، ثم أنسيتِ ما مررت به؟! فاهدئي قليلاً».

 ما الذي تغيّر في حالتك الذهنية بعد الحادث مباشرةً والآن؟

- تغيّرت الحالة كثيراً، فبعد الحادث مباشرة لم يكن سهلاً عليّ تقبّل واقعي الجديد، وكنت أعتقد أنني بعد وضع الأطراف الاصطناعية ستصبح وكأنها قطعة من جسمي، وسأكمل حياتي كأنني عدت كما كنت، إنما الواقع كان عكس ذلك، إذ اختلفت حياتي مئة في المئة. واستغرق الأمر وقتاً طويلاً كي أتأقلم مع وضعي الجديد وأعتاد عليه ويعتاد كذلك المحيطون بي. فقدت التوازن سواء الجسدي أو النفسي! فدماغي استمرّ في إعطاء الأوامر نفسها، لكن جسدي لم يعد يتجاوب لأن ثمة أعضاء لم تعد موجودة. وهذا ما يسمّى «العضو الشبح»، وقد ظللت لما يقرب من ست سنوات أشعر بتيار كهربائي في جسمي، حيث ينتفض في الأماكن التي لم تعد موجودة فيها تلك الأعضاء عندما يعطيها الدماغ الأوامر بالحركة! مع الوقت، تعوّدت على تسيير أموري بشكل مختلف وتقبّلت فكرة أن وضعي لن يعود كما كان.

 لطالما كنت معروفة بأناقتك وإطلالتك اللافتة، وما زلت حتى الآن برغم تجربتك الأليمة. ما الذي يحفّز لديك الرغبة في الحرص على إطلالة الأنثى في أجمل صورة؟

- في إذاعة صوت لبنان، وأنا لا أزال في الجامعة، كنت أذهب بأحلى حلة وعلى آخر طراز برغم أن لا أحد يشاهدني من المستمعين، وكذلك الأمر عندما أذهب إلى مكتبي، هذا طبعي. أحب ان أرتاح إلى شكلي في المرآة. ومذ كنت في المستشفى، تعوّدت وضع ماكياجي بيد واحدة، واختيار ملابسي بشكل يخفي العيوب عندي من دون أن ينتبه الناس إلى ذلك. أجهد كي أحافظ على الصورة الجميلة التي ترضيني قبل أن ترضي غيري.

 إلى أي حد تأثرت نظرتك إلى نفسك كامرأة بعد الحادث؟ وهل مي الإعلامية والمثقفة والناشطة تلتقي مع مي المرأة؟

- منذ بداياتي، كانت عندي موازاة بين الشكل والمضمون، ولم يكن يطغى أحدهما يوماً على حساب الآخر، وهذا أمر متعب. لطالما كنت أحافظ على أناقتي، وفي الوقت نفسه أدرس وأتابع ملفاتي. وما زلت كذلك حتى الآن، حيث أصدرت كتاباً من 500 صفحة يُعتبر مرجعاً، لا أعتقد أن أحداً يستطيع تقديم مثله لأنه يتطلّب بالاً طويلاً وأبحاثاً وجهداً كبيراً جداً. هذه أنا حيث تتمازج الناحيتان عندي دائماً. أحياناً، الناحية الفكرية تنسيني مسألة الشكل والعكس صحيح أيضاً. من جهة أخرى، أنا أستمتع أكثر خارج لبنان لأنني لا أحب التنقّل هنا على الكرسي المتحرك، مع أنني أجبر نفسي على تقبّل نظرة الناس لي لأنهم اعتادوا على رؤيتي بشكل معيّن ولن يتقبّلوا التغيير بسهولة. أحاول إيجاد التوازن، ولا أنكر أنني أتعذّب إذا لم أستطع أن أجد نفسي في الشكل الذي يرضيني. اقتنعت بأن جسمي مشوّه ولن يعود كما كان، إنما لا شك هناك لحظات صعبة جداً عندما أجلس بيني وبين نفسي، ولكنني لم أدعها تتغلّب عليّ.

 هل خضعت لعلاج نفسي بعد الحادث؟ وما رأيك في من يخجلون من اللجوء إلى الطبيب النفسي؟

- لا، وهنا يكمن العناد عندي! لا أقول إن العلاج غير ضروري، لكنني شعرت بعد الحادث بأنني أفقد استقلاليتي، وأسمع وأرى في الأفلام أن من يخضع لعلاج نفسي يصبح معتمداً على الطبيب المعالج لإيجاد التوازن النفسي وأنا لا أريد التعلّق بأحد وأن يرتبط توازني بشخص. وماذا سيفعل لي الطبيب؟ هل سيساعدني على تقبّل واقعي؟ أنا أقوم بذلك وإن كنت لا أنجح دائماً، وقد مررت بمراحل كآبة شديدة واسودّت الدنيا في وجهي، ومع ذلك لم أرَ أن الطبيب هو الذي سيقوم بهذا الدور وفضّلت أن أبقى مستقلّة.

 تندمين الآن على عدم الاستعانة بطبيب نفسي؟

- مرّت مرحلة عشت فيها على المورفين وأدوية أخرى، بحيث وصل عدد حبوب الدواء في اليوم الواحد إلى أربعين. وفي أحد الأيام، في مركز التأهيل الطبي في فرنسا، أخذت الحبوب ورميتها في سلة المهملات! وقلت للأطباء «إما قلّع لوحدي أو بلا ما قلّع»! بطبعي، أتّخذ قرارات ولا أتراجع عنها حتى لو كنت سأتعذّب بسببها. الحياة بالنسبة إليّ عبارة عن إرادة.

 وأين الحب في حياة مي شدياق؟

- معروف عني أنني لا أتحدث أبداً عن حياتي العاطفية، ولكن هذا لا يمنع أنني عشت قصص حب وعشقت حتى الجنون، وتعرّضت لصدمات عاطفية كما تسبّبت بها للطرف الآخر. جميل أن يظل هناك ما يحرّك المشاعر ولكن في الوقت نفسه، لم تكن المشاعر في أي مرحلة من حياتي هي التي تطغى على مهنتي، وهذا ما أندم عليه حالياً لأنني أعطيت الأولوية لعملي وتحقيق ذاتي واستقلاليتي على حساب حياتي الخاصة. وعندما كان باستطاعتي إعطاء الوقت للحب لم أفعل ذلك... هذا قدري وربما لو عاد بي الزمن لكنت تصرفت بالطريقة نفسها.

 بصرف النظر عن الحادث، لو عاد بك الزمن إلى الوراء، ما الذي تغيّرينه في حياتك؟

- أنا اخترت اختصاصاً علمياً، وكان يفترض بي أن أدرس الهندسة، لكني قررت دراسة الصحافة والعمل في التلفزيون. هذا كان خياري، لذا لا أغيّر أي شيء لو عدت في الزمن. في النهاية، الإنسان يصنع قدره بنفسه.

 وحالياً، أما زال القلب يخفق بعد كل المعاناة التي مررت بها؟

- طبعاً، ولا تنسي أن حب الشغف الذي نعيشه في عمر معين يتحوّل إلى نوع آخر، فكل شيء يتغيّر مع الوقت، ولكن قلبي ما زال يخفق بالحب وإلا سأصبح أشبه بـ «لوح الكوي»! ما زلت امرأة بكل معنى الكلمة من رأسي حتى أخمص قدميّ!

 وهل ما زالت الرغبة في الزواج وبناء عائلة موجودة في داخلك؟

- لا لأن المشكلة تكمن في هذا الطابع الاستقلالي في شخصيتي. ربما لو كنت أعيش خارج لبنان لتصرفت مثل بعض الإعلاميات كـ Claire Chazal وأنجبت ولداً بلا أب عندما يدق ناقوس الساعة البيولوجية التي أستطيع خلالها الإنجاب، لكني أعيش في مجتمع شرقي ولا أستطيع فعل ذلك حتى لو خطرت الفكرة ببالي. بشكل عام، لا أستطيع تحمّل فكرة الارتباط أو القيد وأتمسّك بعالمي واستقلاليتي. أحب السهر والخروج و...و...إنما في نهاية اليوم، كلٌّ منا يعود إلى منزله. الفترات التي رغبت فيها بالارتباط كانت أقل بكثير من تلك التي رفضت فيها الفكرة كلياً.

 تندمين على الأمومة تحديداً؟

- ما من امرأة في العالم لا تندم على أنها لم تصبح أماً. الأمومة تعني لي كثيراً، ولكن لا أعتبر نفسي محرومة لوجود أولاد إخوتي، علماً بأن لا شيء يعوّض عن إحساس الأمومة الفعلي من خلال الإنجاب. ما حصل معي هو أنه عندما اقتنعت بأن مهنتي في وضع جيد يرضيني، ورغبت في الاستقرار، لم يُتح لي المجال إذ أتتني الضربة، أي محاولة الاغتيال في أسوأ الأوقات! كيف سأفكّر أن أصبح أماً في الوضع الذي أصبحت عليه؟! لقد سرقوا حياتي مني!

 إذاً تندمين لأنك تأخّرت في اتخاذ قرار الارتباط؟

- نعم ولكن في النهاية، هذه أنا.. عشت في بيت فيه ثلاث بنات مع والدتي، ووالدي وأخي توفيا مبكراً، وبالتالي، لم يكن هناك من أستطيع الاتكال عليه. مررت بظروف شخصية صعبة وكان عليّ الاعتماد على نفسي. لذلك كان توجّهي أن أحقق ذاتي، وهذا أمر جيد على المستوى المهني إنما على المستوى الشخصي، الوقت غدرني فيها!

 كم تعيشين حالياً أسيرة الخوف أم أنك تحرّرت من قبضته؟

- لا، لو كنت سأخاف لما جلست معك الآن. ما أريد قوله سأقوله ولو على قطع رأسي!

 هل صحيح أنه عُرضت عليك حقيبة وزارية في الحكومة ورفضتها؟ وهل ترغبين في العمل السياسي؟

- طُرح اسمي ولكن الأمر تعثّر لعدم وجود مقعد ماروني. بالنسبة إليّ، خوض العمل السياسي هو بمثابة منبر لإيصال صوتي. في ما عدا ذلك، لا أعتبر أنه سيضيف لي شيئاً، لأن ما استطعت إنجازه على مستوى شخصي حتى الآن، يجعلني غير محتاجة للقب أو منصب، فهو لن يزيد من شهرتي لأنني صرت معروفة عالمياً. وقد أطلقت مؤسسة على مستوى دولي إن من ناحية المؤتمرات أو ورش العمل أو الجوائز، ولم يكن أحد يتخيل أن أحقّق كل ما حققته في غضون ثلاث سنوات. وما زلت أؤلّف كتباً معمّقة غير سطحية، فقد استغرق معي كتابي الأخير 15 عاماً من العمل والبحث والتحضير. وإذا عرض عليّ منصب وزاري، لن أتكبّر على النعمة، لكنه ليس هدفي الذي أضعه نصب عينيّ.

 ما هي هواياتك الحالية بعيداً عن هموم السياسة والعمل؟

- أحب السفر لأنني أهرب من الواقع عبره، وأحب مشاهدة الأفلام وحضور عروض الأوبرا والمسرح، أحب كل ما هو ثقافي. وعندي مواهب أخرى كالغناء، فمنذ صغري أحب الغناء والرقص.

 بشكل عام، ما الذي تغيّر في مي شدياق سلباً وإيجاباً؟

- إيجابياً، أصبح عندي جَلَد أكبر على الكتابة. استغرقت أطروحة الدكتوراه ثماني سنوات من دون أن أنجزها، وبعد الحادث، أكملتها خلال سنتين. ربّ ضارّة نافعة كما يقال. وصرت أكثر هدوءاً وصبراً. وحتى على المستوى الشخصي، ثمة أمور بتّ  أنظر إليها بشكل مختلف وهذا أيضاً له علاقة بالعمر.

 ما هو حلمك وطموحك الأقصى في الحياة؟ وهل تغيّر هذا الحلم أو الطموح بعد الحادث؟

- أحلم أن أستيقظ يوماً لأجد نفسي كُلاً متكاملاً، وهذا لن يتحقّق! ولكن حلم الوطن لبنان، الذي دفعنا ثمنه غالياً، ما زلت أحلم به. يا ترى سأراه في حياتي يصل إلى برّ الأمان؟ 

Image gallery

Comments