Post Image طب تجميلي

البروفسـور بـول بجانـي: البوتوكس غيّر حياة الملايين طبياً


الأربعاء 2014/12/24

حاورته: زهرة مرعي

ما هو التوكسين بوتوليك، هذا السم الرائج الذي يغزو العالم؟ الجواب هو نفسه الذي يُعرف بالبوتوكس في عالم التجميل، وهو اسم شركة تصنع هذا السم اللطيف والجميل في الولايات المتحدة. عن نتائجه على المرضى، وعلى الراغبين بالتخلص من تجاعيد العمر، البروفسور بول بجاني، الطبيب اللبناني العالمي الشهير، الاختصاصي بعلاج أمراض الرأس والأعصاب والعلاج بالتوكسين بوتوليك، خصّ «سنوب» بهذا الحوار المفصّل عنه. في العالم نوعان رائجان من سم التوكسين بوتوليك، وهما الإنكليزي الذي يُعرف بـ «ديسبورت»، والأميركي الذي يعرف بـ «البوتوكس». ومؤخراً دخل إلى السوق العالمية نوع جديد ألماني يعرف بـ «كزيومين». وهذه الأنواع الثلاثة تحمل شهادة الاعتراف الأميركية وكذلك الأوروبية. التوكسين بوتوليك بدأ علاجاً طبياً في ثمانينيات القرن الماضي، ومن ثم كان اكتشاف أثره في إزالة تجاعيد الوجه. وتمتد نتائج حقنه لفترة زمنية تتراوح بين شهرين وستة أشهر بحسب نوع التشنج الذي يعاني منه المريض، وكذلك الأمر على الصعيد التجميلي.

 

ما يعرفه عامة الناس بالبوتوكس أو التوكسين بوتوليك، هلّا عرّفتنا ما هو؟ وما هي آلية عمله؟

ـ هو مادة طبيعية مستخرجة من سم البكتيريا. وفي تبسيط لهذا السم نضرب مثلاً بالمعلبات الفاسدة المنتفخة التي يُمنع على الناس تناولها لأنها تحتوي على هذه المادة السامة. ومن يتناولها يبقى مشلولاً لثلاثة أشهر لأنه يكون قد أدخل إلى جسمه كميات هائلة من بوتولينيوم توكسين. وبالنسبة الى آلية عمله، فهو يعمل موضعياً، أي أن الحقنة لا تترك أثراً على أي مكان آخر في الجسم، وهذا هو المهم فيه. ونحن نلجأ إليه لعلاج التشنجات العضلية أو التشنج المترافق مع رعشة في بعض الأمكنة. وأحد استعمالاته الشائعة أيضاً لمرض رفة العيون التي تقفلها لاإراديـاً، وقد يحدث ذلك لعين واحدة أو للاثنتين معاً. ولهذا المرض علاج وحيد هو حقن التوكسين بوتوليك الذي أعاد حياة المرضى إلى طبيعتها. كذلك يُستعمل لتشنّج نصف الوجه بما فيه الشفة والعين، وهو مرض ناتج عن تهيّج العصب السابع. وأحياناً يترافق في الشكل مع رجفة في نصف الوجه وإغماضة العين وكأن المريض يمارس غمز الآخرين، مع ميل في الفم لجهة واحدة. التوكسين بوتوليك هو الذي خلّص حياة هؤلاء المرضى، ويمكنهم الخضوع لعمليات دقيقة في الدماغ، لكن معظمهم يفضّل حل الحقن لأنه مريح، ويسمح لهم بالعيش طبيعياً لحدود ثلاثة أو أربعة أشهر من بعده. وهو علاج وحيد لكل ما يسمى تشنجات عضلية، منها مرض «التصنيجة» الذي يصيب الرقبة فتميل إلى جهة واحدة، وبمجرد استعمال هذه الحقن تعود إلى وضعها الطبيعي. كما نلجأ إليه لعلاج المرضى الذين يعانون من تشنج في عضل الفك مع كزّ على الأسنان، فالحقنة في الحنك تؤدي إلى راحة تامة. ويعالج أيضاً التشنج في عضلة اللسان الذي تظهر أعراضه في خروجه من الفم خلال الكلام. والأطفال الذين يعجزون عن المشي ويمشون فقط على أصابعهم، نعالجهم به عبر حقن بطة الساق، فيرتاح العضل وبالتالي يتمكنون من المشي طبيعياً. وبالنسبة الى هؤلاء، قد نضطر لعملية جراحية كحلّ دائم، إنما بقية الأمراض لا حل لها سوى التوكسين بوتوليك بين كل ثلاثة أو أربعة أشهر.

 

 وهل بدأ كعلاج تجميلي أم طبي؟

ـ استُعمل التوكسين بوتوليك في ثمانينيات القرن الماضي كعلاج لمحيط العين، ومن ثم لتشنجات عضلات الوجه وعضلات الجسم ككل. وهكذا كان الاستعمال الطبي له لعلاج أمراض الأعصاب وخصوصاً تشنّج الأعصاب، رجفة العصب، أو التشنج والرعاش معاً، ويستعمل أيضاً في علاج الباركنسون الذي يسبب تشنجات عضلية في بعض الأمكنة.

 

 وكيف تحوّل ليصبح تجميلياً؟

ـ بالنسبة إليّ كطبيب، تعرفت بالصدفة إلى التوكسين بوتوليك كحلّ تجميلي. كنت في فرنسا أهتم بعلاج كونتيسا معروفة تعاني مرض الباركنسون الذي يؤدي لديها إلى رفة عينين. كنت أعالجها به كل ثلاثة أشهر. فقالت لي وقتها إنها تلاحظ اختفاء التجاعيد حول عينيها بعد العلاج وطلبت بإلحاح أن تُشكّ الحقن في جبينها، فقلت لها إن هذا سم ولا يمكن حقنه في أي مكان. لكنها أصرّت على الموضوع وعلى مسؤوليتها الشخصية. عندها بحثت الأمر مع فريق الأطباء في المستشفى وقررت الاستجابة لطلبها. وهكذا اختفت التجاعيد من على جبينها. كان ذلك في منتصف التسعينيات وكان التوكسين بوتوليك يُقدّم مجاناً للمرضى في فرنسا. ومن ثم جرت أبحاث عن أفضل الأمكنة لحقنه بحيث يظهر طبيعياً، إذ من المهم محاربة التجاعيد والأخذ في الاعتبار أن لا يظهر الإنسان اصطناعي الشكل، وأن يحافظ على تعابيره. وهنا لا أقول إنني مكتشفه، إذ كان أطباء آخرون يكتشفون الأمر نفسه في مراكزهم الطبية. إنما في المركز الطبي الذي كنت أعمل فيه في باريس لم يكن الأمر معروفاً قبل أن تلفتنا إليه تلك الكونتيسا. وفيما بعد صار العلاج به خبراً شائعاً.

 

 وماذا عن تطوره طبياً وتجميلياً؟

ـ خلال علاج مرض كزّ الأسنان، لاحظنا أن معظم من عالجناهم لم يعودوا يشتكون من أوجاع الرأس. وفي نهاية التسعينيات أُجريت دراسة لمعرفة من هم الذين يعانون من الصداع النصفي ويمكنهم أن يستفيدوا منه، وتوصلت الى معرفة هؤلاء المرضى قبل أن يحصل الأميركيون على FDA في سنة 2011 لعلاجه بواسطة سم التوكسين بوتوليك. وقد حقق علاج الصداع النصفي بهذا السم نتائج جيدة جداً.

 

وهل العلاج به يتم لدى الطبيب؟

ـ يقوم به الطبيب المختص بالأعصاب، والمدرّب على حقن التوكسين بوتوليك. فهي دقيقة وصعبة، وأي خلل قد يؤدي الى أعراض جانبية.

 

 تؤكد على دقة هذا النوع من العلاجات، وأنها تحتاج الى مختص بالأعصاب وبالتوكسين بوتوليك، لكنها شائعة لدى أطباء التجميل؟

ـ يكمن حسن التعامل مع هذا النوع من العلاج بالخبرة والتمرين. طبيب التجميل أو الجلد المتعمّق والمتخصص بحقن التوكسين بوتوليك يمكنه تنفيذ هذه المهمة. وطبيب الأعصاب الذي لم يخضع لتدريب بها لن يتمكن من تنفيذ هذا العلاج طبياً أو تجميلياً. كما هناك أطباء تجميل بارعون في عمليات الأنف، لكنهم لا يملكون الخبرة الكافية في تلك الحقن. إذاً هذا النوع من العلاج يستند إلى الدراسة والتدريب المختص والكافي. وهو اختصاص طبي مستقل وليس من ضمن اختصاص طبي آخر.

 

 هل هناك فئة من الناس يُمنع عنهم علاج التوكسين بوتوليك؟ ومن هم؟

ـ هم مرضى الوهن العضلي Myasthenia Gravis، وكذلك من لديهم حساسية من هذا العلاج وهم موجودون حتى وإن كانوا بنسبة قليلة جداً. وليس مستحباً استعمال هذه الحقن للأشخاص الذين يعانون من حرارة مرتفعة أو رشح. بالإمكان انتظار تعافيهم.

 

 وماذا عن الحوامل؟

ـ لم تُظهر أي دراسة طبية أن التوكسين بوتوليك مضرّ، لكن ما من طبيب يستعمل هذا العلاج خلال الحمل لهدف تجميلي أو لتصحيح خلل عصبي بسيط. فإن كانت الحامل على سبيل المثال تعاني تشنجاً في نصف الوجه ومترافقاً مع الغمز، من الأفضل أن تُترك على حالها حتى ما بعد ولادتها خوفاً من أي مخاطر. إذاً المفضّل عدم اللجوء إلى هذا العلاج لأننا لا نملك الدليل على أنه لن يترك آثاراً جانبية على الحوامل. فقط نلجأ له خلال الحمل لمن لديهن حاجة حياتية ماسة له كمثل تشنج الرقبة، اللسان والفك. هذه المشكلات نعالجها بالتوكسين بوتوليك لضرورتها، خصوصاً أن أثره موضعي فقط. وهذا الحذر ينسحب كذلك على الأمهات المرضعات حيث يُفضّل الانتظار في استعماله حين يمكن ذلك.

 

 هل هو متاح لكل الأعمار؟

ـ الأميركيون وكذلك الأوروبيون سمحوا باستعمال التوكسين بوتوليك بدءاً من عمر السنة والنصف وحتى ما فوق عمر المئة سنة. ما دون السنة والنصف هناك مخاطرة في أن يؤدي الى تخفيف قوة العضل لدى الطفل. وكمية العلاج تُحدد بحسب وزن الطفل وعمره.

 

 ما هي المدة الزمنية الفاصلة بين علاج وآخر؟

ـ يستحسن أن تمر فترة ثلاثة أشهر بين العلاج الأول والثاني. وعدم مراعاة هذا الزمن الفاصل يؤدي الى تعريض المريض لما يسمى بإنتاج المضادات الحيوية ضد التوكسين بوتوليك. بعض الذين يستعملون هذا العلاج تجميلياً يرغبون بما يسمى «روتوش توكسين بوتوليك»، وهذا ممكن في حالات طبية ضرورية جداً جداً. فالفترة الزمنية وكذلك كمية الدواء هما العامل الأساس لمساعدة الجسم على عدم تصنيع المضاد للتوكسين بوتوليك. وفي حال عدم احترام هذين العاملين وبمجرد حقنه، يرسل الجسم عساكره لمحاربته وتعطيل مفعوله. ومع الوقت يكوّن الجسم مناعة بوجه التوكسين بوتوليك «أ»، ويصبح المريض بحاجة الى توكسين بوتوليك «ب» واسمه الشائع «ميوبلوك»، وهو علاج يُستحضر من لندن وباريس لأنه غير موجود حالياً في لبنان. لهذا لا نحبذ كأطباء طلب المريض للـ «روتوش».

 

 هل بدأ علاج مرضى الباركنسون والزهايمر بالتوكسين بوتوليك؟

ـ في هذين المرضين يمكن، وفي مراحل معينة، عند حصول تشنجات عضلية في الرقبة على سبيل المثال، وخصوصاً لمريض الباركنسون وبالتالي يمكن علاجه بالحقن. وكذلك للذين يسيل لعابهم بشكل دائم من الفم لاإرادياً، والذين يعانون من تشنجات في القدم وأصابع الرجلين، وأيضاً تشنج الكتفين والعينين، وهو أمر شائع كذلك لدى مرضى الباركنسون. والأمر نفسه يسري على رجفة الحنك أو الرقبة. وعند الأطفال الذين يعانون من أمراض عصبية تؤدي الى تدفق الريق لاإرادياً، نستعمل العلاج في حقن غدد الريق، فيشفون.

 

 وبالنسبة الى التعرّق كيف يُعالج به أيضاً؟

ـ هو علاج لمن لديهم تعرّق أكثر من الطبيعي، فتحقن غدد التعرّق الصغيرة بالتوكسين بوتوليك بحيث تخف قوة إفرازاتها. في أي علاج من هذا النوع يفترض عدم الذهاب للحد الأقصى بحيث يكون الإنسان خالياً نهائياً من التعرّق، بل المطلوب نسبة مقبولة من النتائج. فقد أثبتت بعض الدراسات أن النشاف الكلي من التعرّق تحت الإبط قد يؤدي لظهوره في مكان آخر كالظهر مثلاً.

 

 هناك تشنج عضلي ناتج عن الكتابة الدائمة، فهل علاجه متاح بالتوكسين بوتوليك؟

ـ هو ما يعرف طبياً بتشنج الكُتّاب، ومنهم كتبة المحاضر، المحامون، وكتبة المحاكم، وهذا ما يؤدي مع الوقت الى تشنج في الأصابع. وقد يحدث أيضاً خلال استعمال الحاسوب بدل القلم. والحل يكون بحقن التوكسين بوتوليك المترافقة مع العلاج الفيزيائي. ويلتقي مع مرض تشنج الكُتّاب، تشنج الموسيقيين، ويظهر لدى عازفي البيانو بتشنج الإصبع واتخاذه شكل الارتفاع الدائم، وهو يصيب عادة المحترفين. ومؤخراً عالجت موسيقياً لبنانياً مشهوراً جداً منه. هذا الموسيقي يعيش من العزف الذي يشكّل كل حياته. وهو الآن يعزف طبيعياً وما من أحد يعرف أنه خضع لعلاج. ومن بين مرضاي أكثر من موسيقي مشهور.

 

 هل تُشل العضلة التي تُحقن كلياً؟

ـ ليس طبيعياً أن تُشل كلياً، بل جزئياً وهذا هو المطلوب، ولمدة زمنية معينة. قلة من العضلات نحتاج الى شلها كلياً، وهنا يأتي دور الخبرة في كيفية تحديد كمية العلاج وموضعه.

 

 وأخيراً هل تعتبر سم التوكسين بوتوليك نعمة طبية؟

ـ لا شك بذلك. كطبيب أعتبره من أهم الاختراعات الطبية في الـ 20 سنة الماضية، فهو تمكّن من تغيير حياة ملايين الناس نحو الأفضل في العلاج العصبي الطبي. وفي العلاجات التجميلية هو الأكثر فعالية والأقل ضرراً إذا استُعمل بالشكل الصحيح، بحيث يبقى الوجه طبيعياً. ومن شأنه أن يخفف قوة بعض التعابير التي تعطي تجاعيد قاسية في الوجه. وأيضاً التجاعيد حول العين التي لا يمكن لعملية تجميل أن تزيلها. كذلك الأمر بالنسبة الى «الجأرة» القوية بين العينين فلا يمكن إزالتها سوى به، والأمر عينه يسري على تجاعيد الجبين. وتوجد تجاعيد معينة في الرقبة يمكن للتوكسين بوتوليك أن يزيلها. والبدء في إزالة التجاعيد ممكن في عمر العشرينات وما من حائل دون ذلك، شرط أن تكون الحقنة ناعمة على صعيد الكمية بحيث لا تشل الوجه وتحافظ على تعابيره، وخصوصاً الضحكة التي يجب أن تحتفظ بطبيعتها. التوكسين بوتوليك من أهم العلاجات وأفضل من مئة «كريم».

 

 

 

Comments