Post Image

حضانة الأولاد من وجهات نظر مختلفة


السبت 2016/12/24

تغريد حامد – سنوب

يرى الطب العائلي أن الحب هو أهم احتياجات الطفل، وأن الأم هي الأقدر على منحه بالإرضاع والتواصل الشفوي، وأن الفصل بين الأشقاء نتيجة لقانون سن الحضانة أمر يسيء إليهم وإلى نفسياتهم.

الحضانة برأي الأبناء

قضية فاطمة نكأت جراحات كثيرة موجعة لدى أبناء عانوا وما زالوا من اضطرابات وحزن وخوف نتيجة لحرمانهم من أمهاتهم.

< يحكي قاسم ترحيني قائلاً: لن أنسى وجه رجل الأمن الذي اعتقلني طفلاً ونقلني الى مخفر النبطية. صفعني ونهرني تنفيذاً لأوامر من يسمى أبي بمباركة الشيخ والمحكمة الشرعية. مطلبي ليس تعديل القانون الخاص بالمحاكم الدينية أو إقرار قانون موحّد للأحوال الشخصية فحسب، بل القصاص لكل من شارك في هذه الجريمة باسم الدين والشرع والقانون.

واعتبر قاسم أن المحكمة الجعفرية وقضاتها شركاء بإذلاله وأخوته وترهيبهم وخصوصاً أمه التي عانت الأمرّين بعد الطلاق!

< أما كريم ف. صالح فيقول إنه كان في العاشرة حين قرر والداه الانفصال، ما أصابه بالانهيار الذي ما زال يعيشه برغم مضي 13 سنة. فمعظم مشاكله النفسية هي نتيجة له... «كنت أغار من كل عائلة مجموعة وأحسّ باليأس، علماً بأنني كنت قادراً على رؤية أمي حين أريد». ويتساءل عمّا قد يحسّه ابن فاطمة حين يكبر، وهل ستكون له «نفس» على العيش؟ الإجابة يمكن أن تتحوّل الى سؤال بعد سنوات: لماذا انتحر هذا الصبي؟ يقول ملمّحاً بأن التفكير بالانتحار كان وارداً لديه!

< نور عز الدين التي حُرمت من رؤية والدتها سنة كاملة تقول: كنت في التاسعة وأختي في السابعة وأخي في الرابعة من العمر. فجأة وجدنا أنفسنا في بيت جديد لا نعرف مكانه. قالوا لنا: أمكم تركتكم. والصدمة كانت قوية مع أن كل ذنب أمي أنها طلبت الطلاق. وفي هذه السنة كُلفنا أختي وأنا بالطبخ والتنظيف ورعاية أخي الصغير...

بعد محاولات للوصول الى أمهم، هربت نور وأختها الى دكان واتصلتا هاتفياً بها. «سألناها بين دموعنا: عن جدّ ما بدّك يانا ماما؟ ثم أخذ صاحب الدكان الهاتف وأخبرها عن العنوان، ما سمح لها بزيارتنا خلسة».

تحمّل نور المحكمة مسؤولية معاناة الكثيرين... «فهي بإسقاطاتها الذكورية استطاعت حرمان عدد كبير من الأطفال من أمهاتهم»...

في الشهر الفائت أطلق ع. ك. النار من مسدس حربي باتجاه سيارة طليقته م.ن. وكان برفقتها طفلها ـ 5 سنوات ـ ووالدها، كانوا في حي السلم محاولاً أخذ طفله عنوةً، لكن لم يصب أحد بأذى وقد فرّ الأب الى جهة مجهولة!

الحضانة لدى الطوائف

المفارقة أن قانون الحضانة لدى الطوائف في لبنان يجيز ذلك. وقد كان أكثر ظلماً قبل أن يُفتح ملف قانون الأسرة وتتمّ فيه بعض التعديلات، وهو الذي يعود الى العهد العثماني ويُعرف بـ «قانون قدري باشا».

الطائفة السنية اقتدت بالدول الإسلامية وانصاعت لحراك الجمعيات النسائية وقامت بتعديل القانون الجائر بحق الأم والطفل. وكانت قد سبقتها طوائف أخرى الى ذلك:

ـ 2011 لدى الطائفة السنية: بعد أن كان 7 سنوات للذكر و09 سنوات للأنثى، رفعت سن الحضانة الى 12 سنة للجنسين.

ـ 2003 طائفة الروم الأرثوذوكس للأحوال الشخصية: رفعت سن الحضانة من 7 سنوات الى 14 سنة للذكر ومن 9 سنوات للأنثى الى 15 سنة مع الإبقاء على حق الأفضلية لـ «السلطان الأبوي».

ـ 2006 الطائفة الإنجيلية: رفعت سن الحضانة من 7 سنوات الى 12 سنة للذكر و13 سنة للأنثى.

أما بالنسبة الى الطوائف الأخرى:

ـ الطوائف الكاثوليكية: لا قانون ينص على سن الحضانة بل على حق الرضاعة للأم حتى بلوغ الطفل سنتين، وبعدها تقرر المحكمة مصيره بحسب مصلحته. ثمة اتجاه اليوم الى رفع سن الحضانة بما يتناسب مع توجّه القوانين المذهبية الأخرى.

ـ الطائفة الدرزية: رفع سن الحضانة للذكر الى ما فوق 7 سنوات، يعترضه جدل قائم بحجة أن تربية الأب للصبي «تجعل منه رجلاً». وقد تمّ قبول رفعه للفتاة الى عمر 13 سنة.

ـ الطائفة الشيعية تتمسك بقانون الحضانة المحدد للذكر بسنتين والأنثى 7 سنوات وترفض تعديله. ولا نعلم لماذا هذا الرفض، علماً بأن لا نصوص قطعية أو صريحة في القرآن الكريم ولا في السنّة النبوية تحدد سن الحضانة أو مدة رؤية أحد الأبوين المطلّقين للطفل! فالمسألة تُركت للاجتهاد وباب الاجتهاد لدى الشيعة مفتوح! والحقيقة أن ثمة اختلافاً بين مراجع الطائفة حول الأمر. ففي حين يرى السيد محمد حسين فضل الله أن الأم أحق بحضانة طفلها ذكراً أو أنثى حتى السابعة، وأن سن الحضانة في إيران بعد تعديله 7 للأنثى و9 للذكر، تستند المحكمة الجعفرية الى إفتاءات آية الله علي السيستاني في العراق حول المسألة.

رأي علم النفس

هل يكون النمو النفسي والعاطفي عند الطفل فوق كل اعتبار؟

ريتا سماحة اختصاصية في علم النفس العيادي والمرافقة النفس ـ جسدية تجيب:

ـ يسمح القانون اللبناني، في أفضل الأحوال، بإبقاء الطفل مع والدته حتى عمر معيّن في حال الانفصال أو الطلاق. إلا أن القانون نفسه يقضي بفصله عن والدته لأسباب قد تكون أحياناً محقة، لكن الخطورة تكمن عندما تكون هذه الأسباب ظالمة، حيث يُسلخ الطفل عن والدته بطرق عنيفة أو حتى وحشية، من المؤكّد أن مفاعيلها هي بمثابة تأثير الصدمة النفسية أو العاطفية. وهذا الفصل عن الأم بشكل ظالم يُعتبر تدميراً لصورتها في داخله. ومن المؤسف أن يلجأ الأب الى تشويهها، موهماً الطفل أنها هجرته أو لا تحبه، ترفضه، أو تخلّت عنه. وقد يذهب الى تحميلها مسؤولية كل المآسي والآلام التي يشعر بها الطفل كي يتحمّل هذا الانفصال. أحياناً أخرى، يمكن اتّهامها بمرض عقلي، أو أنها غير مؤهلة لتربيته تربية سليمة.

أما إذا كانت الأسباب مرضية أو لضرورة السفر، فإن وطأة الانفصال عن الأم تكون أقل دماراً على نمو الطفل النفسي والعاطفي. إلا أن التشويه المتعمّد لصورتها أمامه يؤدّي، من ناحية، الى انقلاب المقاييس في ذهنه، فتصبح القيم غير واضحة أو غير سليمة، ومن ناحية أخرى، وهي الأخطر، يؤثّر على تنمية الشعور بالكراهية، الرفض والدونية تجاه المرأة بشكل عام.

ويتساءل البعض لماذا تنمو أو تتكاثر ظاهرة الشذوذ الجنسي، واللواط في البلدان التي تحطّ من قيمة المرأة؟ إذ حين يسيء الرجل معاملتها، يهينها ويحطّ من قدرها، يتلقّن الطفل، وخصوصاً الذكر، التمثل بوالده المُعنِّف، فهو لا خيار له من ناحية نموّه وتطوّره العاطفي، إلا بالتمثّل بوالده، وأعني بذلك أن الأمر يُكتسب بالتربية.

باختصار، إن فصل الطفل ولا سيما الذكر، عن والدته، له تأثير «كارثي» ليس فقط على نموّه النفسي والعاطفي، بل على نمو الأجيال في الأوطان. فهل يشارك القانون بصناعة المجتمعات، آخذاً في الاعتبار النمو النفسي والعاطفي عند الطفل، وتأثيراته الواقعية والمنطقية؟ هل يساهم القانون بإرساء توازن الحقوق وتناوب الزيارات بين الأم والأب، رافضاً أي تأثيرات سلبية، والاحتكام عند الضرورة الى تقارير علمية وآراء الطبيب النفسي والاختصاصيين في علم النفس؟ وهل يكون احترام الآخر، حتى عند الانفصال، هو القاعدة، والبعد كل البعد عن تشويه صورة الآخر، للمحافظة على ما قد تبقّى من صورة إيجابية للعائلة؟ هل بالإمكان الوصول الى كل ذلك للولوج الى أفضل نمو نفسي وعاطفي للطفل؟

Comments