Post Image

حتى أرقى الطلاقات... حصرمها حامض على الأطفال!


الأحد 2016/07/24

تغريد حامد - سنوب

«أحسن الطلاقات» لها آثارها السلبية المؤلمة على الأطفال. فكيف إذا سبق الطلاق صراع بين الأبوين واشتدّ بعده وتمثّلت سخونته وغلّه أمامهم بالسباب والشتائم والاتهامات واللوم و... التشابك بالأيدي؟  وكيف إذا تمّ، أو لم يتمّ، فك النزاع بينهما على حضانة الأطفال إلا في المحاكم وعلى أيدي القضاة ورجال الأمن؟!

إنها تجربة مرّة قد يعيش الأبناء أثقالها، وقد تكون أكبر من سنهم ومن إدراكهم ومن قدرتهم على الاحتمال، فتترك بصماتها على حياتهم بل قد تحوّلها جحيماً يؤدي بهم الى الجنوح والاحتراق!

 

كان يبيع الزهور على الطريق. ولد عمره 14 سنة. مهمل المظهر يدخّن ويتصرّف كرجل صغير... زحمة السير سمحت ببعض الدردشة بيننا عبّر فيها عن معاناة مؤثرة بسبب انفصال والديه وهو في السابعة من عمره، وكلٌّ منهما تزوج واستقر مع عائلته، وبقي وحده يدفع الثمن. في البداية تنافسا على حضانته وكان مكسر عصا بينهما ووسيلة نكاية ونكاية مضادة، تحمّل رعبها وقساوتها وكل حقدها... ليجد نفسه في بيت والده وعلى مرمى كره زوجته وكيدها لـ «تطفيشه»!

«طفشتني الـ ...» يطلق الفتى سباباً نابياً. لجأت الى جدتي، امرأة عجوز يصرف عليها أبي ببعض ما تيسّر معه من نقود. هو أيضاً مادياته على «قدّو»، يعمل مياوماً في أحد المعامل. فقلت الأفضل لاقي شغل، وها أنا مرة أبيع الزهور ومرة علكة ومرة قناني مي و... ماشي الحال».

لا... لم يكن ماشياً... كل شيء يشير الى إمكانية وقوعه في تجربة يعلم الله تداعياتها! من هم رفاقه وكيف يتعامل مع فكرة هجرانه ومرارتها و...؟ فهذا الطفل يكبر ويتحوّل في الشارع الى رجل وفي غياب الأب الذي يحتاج إليه كسند ومثال، والأم التي لم يشبع من عاطفتها بعد! وبعيداً عن جو أسري يُشعره بالأمان، فماذا يكون مصيره؟!

حصرم الطلاق

 

يا الله! يأكل الطفل دائماً حصرم الطلاق. أما مذاقه القارص فقد يرافقه طوال العمر... أعرف رجالاً ما زالت معاناتهم أيام الطفولة تشكّل ذكرى جارحة لديهم. يقول فؤاد 35 سنة، إن طلاق والديه شكّل تحولاً دراماتيكياً في حياته. كان طفلاً في السادسة من عمره ولم يستطع استيعاب الأمر «ظننت حينها أنني السبب في بكاء أمي وصراخ أبي الذي طلّقها وسافر بدون رؤيتي. غاب عنا سنة كاملة ملأتني رعباً وعذاباً. اشتقت إليه لكن كان ممنوعاً عليّ التعبير عن اشتياقي أمام أمي وعائلتها. قالوا إنه تخلّص مني وإنه لا يكنّ لي أي عاطفة. قالوا عنه أسوأ الكلام وكنت أشعر أنهم يصبّون عليّ، كوني ابنه، كل غضبهم وكرههم له».

أعرف ما حدث لفؤاد في حياته. أمه ما لبثت أن تزوجت، فسافر به الأب الى البلد العربي حيث يعمل، لكنه كان دائماً مشغولاً عنه، فعدا عن أنه تغيّر عليه كل شيء ولم يتبقَّ له من الماضي سوى والده، فقد عاش عاماً كاملاً وحده، غالبه خلاله شوق جارف لأمه... «لطالما بكيت، عشت هواجس وكوابيس أدّت بي يوماً الى محاولة الانتحار»! عندها أعاده الأب الى لبنان لترعاه عمته الأرمل مع أطفالها، فكانت أحنّ عليه من والديه وما زالت. وبفضلها عاش حياة هادئة أحس فيها بالأمان المفقود، لكنه لم يستطع التحرر بعد من الآثار السلبية لانفصال والديه!

لكن حتى أرقى الطلاقات لها آثارها السلبية على الطفل، فالطلاق دائماً يُحدث هزة في حياته ونفسيته حتى ولو تصرّف الوالدان بوعي وحضارة برأي تالا التي لم تكن طفلة صغيرة حين عصفت ريح الطلاق بأسرتها. «اجتمعنا مرات عديدة للبحث في الأمر، أمي وأبي وأخي الذي يصغرني بسنة. كنت في العاشرة من عمري آنذاك وقد وافقت على انفصالهما مقتنعة بأنه الحل لخلافاتهما وعدم التفاهم. بقيت وأخي مع والدتي وظل أبي على اتصال دائم بنا وكانا في غاية اللطف والاحترام مع بعضهما البعض... غير أن الوضع بالنسبة إلينا لم يكن مثالياً أو طبيعياً ولم نكن كغيرنا من الأولاد برغم حرصهما على مشاعرنا. وأعترف أنني وأخي أخفينا عن أصدقائنا هذا الطلاق بادئ الأمر، وأننا بكينا سراً في ليالٍ غالبنا الحزن وعاهد كلٌّ منا نفسه على أن يحافظ على زواجه حين يكبر مهما حدث».

الحضانة... قضية

 

إذا كان هذا حال تالا، فما بالكم بأطفال ذاقوا الويلات من خلافات أهلهم قبل الطلاق وبعده؟ فإذا كان من المفترض انتهاؤها بانتهاء الزواج، فالعكس هو الذي يحصل غالباً، إذ إن المشاكل تذكّيها الخلافات بمشاعر الحقد والضغينة والنكايات والرغبة في تصفية الحسابات، وبدلاً من تسوية الأوضاع بينهما بأقل خسائر ممكنة، يعمدان الى تعقيدها و... «عليّ وعلى.... أولادي يا رب»!

حضانة الأطفال هي المشكلة الأولى، بالرغم من أنف القانون الذي يرعاها! فقضاياها بحسب إحدى المحاميات تكاد توازي قضايا الطلاق... هذا القانون ما زال تمييزياً يحرم المرأة من حضانة أطفالها لدى الطائفة الشيعية مثلاً، إذ يُنتزع الصبي من حضن أمه في عمر السنتين والبنت في عمر السابعة، ولدى الطوائف الكاثوليكية لم ينص على سن الحضانة بل على حق الرضاعة للطفل حتى بلوغه السنتين. أما لدى الطوائف الأخرى، فقد ارتفعت سن الحضانة عند السنّة الى عمر 12 سنة للجنسين ولدى الروم الأرثوذوكس الى 14 للصبي و15 للبنت ـ والأفضلية للسلطان الأبوي ـ وللطائفة الإنجيلية الى 12 سنة للذكر و13 للأنثى...

لكن القانون قد يخرقه تعسّف الأب أو... حتى الأم. أعرف رجلاً كان متزوجاً من امرأة أجنبية ولديه منها طفل صغير. وفي أحد الأيام خرجت الزوجة ولم تعد، فقد حملت ابنها وسافرت الى بلدها تاركةً «الجمل بما حمل»! الرجل حُرم من ولده وما زال، فهو لا يراه إلا حين يستطيع الذهاب إليه، أي فيما ندر!

كثيراً ما تهرب الزوجة الأجنبية بأطفالها إذا ما عزّت الحياة في بلد آخر ومع زوج قد لا تكون على وئام أو تفاهم معه. غير أن الزواج من أجنبي يحرم كثيرات في المقابل من رؤية أطفالهن بعد الطلاق. فاللبناني يهرّب أولاده أيضاً الى بلده ويحتمي بقانونه المجحف بحق الأم. لكنه أيضاً قد يطير بهم الى بلاد الله الواسعة هرباً من حكم يقضي بأرجحية طليقته اللبنانية بحضانتهم. تقول مريم 25 سنة: «زوجي خطف طفلي الرضيع مني. احتال عليّ واصطحبه الى والدته المسنّة بحجة أنها تريد رؤيته، لكنه سافر به الى بلد أجنبي وأرسل لي ورقة الطلاق. كنت أتحمّله من أجل طفلي، فكانت النتيجة أنه غدر بي وسرقه مني. عرفت أنه تزوج من أجنبية وهي التي تتولى العناية به، وهذا ما يُشعل قلبي. أتساءل باستمرار إن كانت حقاً تهتم به، وهل يجوز أن تربّيه امرأة أخرى غريبة في حين أني على قيد الحياة وموجودة؟ والله حرام!!

ما ذنبهم في الصراع

 

وللإنصاف، كثيراً ما تقوم النساء بخطف أولادهن من آبائهم. زهية إحداهن. فقد رتّبت أمورها جيداً وسافرت بطفليها الى بلد أفريقي، لوالدها، وهو مغترب ثري، مكانة ونفوذ فيه لم تنفع أمامهما مساعي طليقها لاسترداده.

والحقد المتراكم قد يدفع الطرف الحاضن الى منع الآخر من رؤية الطفل أو اصطحابه لبضع ساعات، في الوقت الذي يعملون على حشو رأس الصغير بأفكار سيئة عن الآخر. فزوج سهى وأهله مثلاً لا يكتفون بالمواربة والتحايل عليها كي لا تراه: مرة عند الطبيب ومرة في الضيعة أو عند عمته ومرة... ويعمدون الى إقناعه بأنها لا تحبه ولا تسأل عنه وبأنها نسيت أمره! وليس أقسى على الطفل من شعوره بأنه متروك ومرفوض وغير محبوب خصوصاً من أمه!

وماذا نقول عن طفل صغير يُسلخ عن أمه ويوهم بأنها ماتت؟! هذا ما حدث مع طفل سمية الذي سافر به الأب الى أميركا وأقنعه بأنها توفيت! وبعد سنوات اكتشف الولد بأنها ما زالت حية، ما سبّب له صدمة نفسية وجفاء مع والده...

ما ذنب الطفل ليعيش طلاقاً وصراعاً وخطفاً؟ ما ذنبه ليُزجّ به في حرب ضروس بين أحب الناس الى قلبه؟ في هذه المعمعمة هو دائماً الضحية والخاسر والمتضرر الأول في أي حال. يكفي أنه يُحرم من العيش في كنف أحد والديه غير الحاضن، ما يسبّب له المرارة والأسى لأنه ليس كبقية الأطفال ويتحمّل كل ما يقوله الواحد منهما على مسمعه من لوم واتهامات وعبارات مثقلة بالكره والضغينة بحق الآخر!

لا يفهم علاء، طفل في الثامنة من عمره، كل ذلك العداء بين والديه المطلّقين. أبوه الذي يعيش معه يلقي اللوم دائماً على طليقته: أمك لم تعلّمك النظام، أمك السبب، أمك ليست أماً... ووالدته كلما ذهب لزيارتها تُسمعه «السيمفونية» إياها: أبوك السبب! أبوك هو المشكلة، حضرة أبوك خرب البيت وشرّدك! و... إذا ما حاول الردّ مرة تحوّل الاتهام إليه: تحبه ـ تحبها أكثر مني؟ أو: لا تدافع عنه ـ عنها أمامي! فيضطر الطفل الى الصمت وإخفاء مشاعره.

لا يكتفي بعضهم بذلك، بل يوجّه رسائله غير الودية الى الآخر عبر هذا الصغير الذي لا حول له ولا قوة: قل لأمك المهملة كذا وكذا... أو قل لأمك: أنا بفرجيها... وقد تكون الرسالة شتيمة أو تهديداً: قل لأبيك إنني سأرفع عليه دعوى وأنتزع منه حضانتك! ومن الرسائل ما يلعب على مشاعر الطفل وقد يهزّها ويهزّ ثقته بمحبتهما له: قل لأبيك أن يهتم بك أكثر إذا كان يحبك! أو: قل لأمك كذا وكذا إذا مش فاضية تهتم فيك... كما أن هذا الأسلوب «أمك» و«أبوك» يزج الطفل بالنزاع ويُشعره بالمسؤولية والذنب وهو البريء الذي تقع عليه تبعات العداء!

التنافس والانتقام

 

وقد لا تكون هذه الاتهامات صحيحة أو منصفة ولا يكون الحرص على الولد وحضانته أو رؤيته هو السبب الحقيقي وراءها، بل لعلّها بدافع الانتقام وتصفية الحسابات بينهما ليس إلا.

وكما يُستخدم الطفل كساعي بريد، يمكن أن يُوظّف للتجسس على الآخر كما تفعل إحداهن. فهي تغري طفلها بالهدايا والشوكولا لينقل إليها أخبار «البابا» وأهله، ماذا فعلوا وماذا قالوا وتستجوب الصغير حول التفاصيل كما حدث مع وليد الذي تعلّم النميمة و«طول اللسان»، وقد اكتشف والده الأمر فهدد طليقته بمنعها من رؤيته أو اصطحابه الى خارج البيت!

وأكثر من ذلك، قد يحاول أحدهما استمالة الولد الى صفه، وذلك بالسماح له بالممنوعات التي فرضها الآخر لمصلحة الطفل: لا تسمح لك الماما بالسهر ومشاهدة التلفزيون؟ لا تسمح لك بالشوكولا والبونبون؟ تريد موبايل؟ تريد...؟ وقد يغدق عليه النقود والمغريات متناسياً أن هذا التنافس هو على حساب الولد ومصلحته وأنه يسيء حتماً إليه. فهو يفسده ويساعده على التفلّت وعدم الانضباط، ولأن الولد بحاجة الى كلٍّ من والده ووالدته، فإن زيارة محددة لبضع ساعات في الأسبوع لأحدهما ليست كافية ولا تُشبع حاجته له... كما أن التنقّل للعيش بينهما يشتته ويمنع استقراره النفسي. تقول نور، 18 سنة، التي تزوّج كلٌّ من والديها وبنى لنفسه عائلة: «مع أن لي غرفة خاصة بي في بيت كلٍّ منهما، لكن إحساسي يشبه شعور الضيف أو الدخيل على عائلة هو ليس جزءاً منها. إنه شعور ثقيل، لا راحة فيه ولا أمان، يضيّق عليك ويثقل حياتك!».

كما أن ثمة آباء يمتنعون عن رؤية أولادهم وحتى الإنفاق عليهم. «تريدين حضانته؟ حسناً خذيه واصرفي عليه»... هذا ما قاله طليق راوية الذي أدار ظهره لطفله الصغير وتخلّى عنه وعن رؤيته نهائياً! أما الولد فهو الذي يسأل عنه دائماً ويشعر بالأسى لأن لا أب له كرفاقه!

وقد تفسد نزاعات الأهل كما انفصالهم حياة الأطفال، فتتسبب بجنوحهم وتقضي على مستقبلهم. وقصة كلٍّ من لولو، 16 سنة، ورجا هي أفضل برهان. فقد عانت الأولى وأمها من عنف والدها الأمرّين. وبعد الطلاق ظلّت المشاكل والخناقات تحاصر البيت وتظلله، فكانت النتيجة دخولها في علاقة مع أحدهم استغلّها وتاجر بها وعلّمها تعاطي المخدرات! أما رجا، 14 سنة، فهرب من بيته وجوّه المشحون بالعنف والصراخ الى الشارع حيث تعلّم على أيدي رفاق السوء كل الموبقات، وقد ضُبط مؤخراً وهو يبيع المخدرات، وهو اليوم، ولا غرابة، في إصلاحية الأحداث.

فقد أثبتت دراسة اجتماعية بأن 47 - 84% من الأطفال الجانحين، الذين شملتهم، هم من أسر مفككة، وكشفت دراسات أخرى أن المشاكل النفسية والعقلية موجودة لديهم أكثر من غيرهم، ما يؤثر على حياتهم وسلوكياتهم. فالولد قد يصاب بالاكتئاب والتمرّد والفشل الدراسي، والقلق بسبب حرمانه من أحد أبويه وخصوصاً أمه. كما بالخوف وعدم الثقة والشعور بالوحدة، والمشاكل السلوكية لديه قد تتفاقم وتصل الى الانحراف والعداء للمجتمع والإدمان والجريمة!

الأطفال الأقزام

 

ومن خلال تجارب لأطفال طلاق أصبحوا اليوم بالغين، يبدو واضحاً تأثير إهمال أحد الأبوين وعدم شعور الطفل بحبه، فهو يسيطر على حياته وتصرفاته طوال العمر ويملأه كرهاً له. والحرمان العاطفي مسألة خطيرة قد تمنع نمو الأطفال الجسدي. وقد أطلق علماء نفس على هؤلاء تسمية الأطفال الأقزام نفسياً أو الأقزام المحرومين. وهذا الحرمان العاطفي سببه تراكمي يكبر مع معايشة الصراع بين الأم والأب والإحساس بمعاناته، وانحسار الحنان والأمان والدعم الأسري الضروري.

أما الآثار المستقبلية، فقد أظهرت دراسات العالم وولير ستين، أن معظم هؤلاء الأطفال عرضة لاضطرابات نفسية واجتماعية مستديمة لها خطورتها على العلاقات الاجتماعية وعدم التوافق مع النفس، واجترار الذاكرة للطلاق وأحداثه، العصبية والعدوانية والعنف وعدم القدرة على إنشاء علاقات مستديمة والعزوف عن الزواج أو أنهم عرضة للطلاق والخوف من مشاعر الحب والمودة. أما الإناث فيتزوجن مبكراً وينجبن أكثر، وهنّ عرضة للطلاق أكثر.

ربما هذه الحقائق تفسر خشية أحدهم من الزواج! هو رجل في الخمسين وقف على عتبة الزواج ثلاث مرات ولكنه في كل مرة وفي آخر لحظة كان يتراجع... هذا الرجل له قصة يعرفها بعضهم. يقولون إنه نشأ وكبر بين بيوت الأقرباء. بيت جدته وعمه وأمه المتزوجة ثم والده الذي عاد وعائلته من سفر طويل! وعانى الإهمال والحرمان ولم يكمل دراسته بل وُظّف في دائرة حكومية بوساطة أحد الأقرباء الذين أشفقوا عليه! أخبرني صديق له إنه لم يتجاوز عقدته ومعاناته وإنه بكى مؤخراً في جلسة حميمة وهو يسرّ بذكرياته المريرة!

لكن الحق يقال بأن في مقابل من يعيشون في ظل مأساة الطلاق وعبئها، ثمة من يتجاوزونها بعد زمن إذا ما أحسن الآباء معالجتها والتعامل معها. فعبير وريما وماجد لم يذوقوا من المرارة سوى أقلها، ذلك لأن الطلاق في حياتهم لم يحدث فجأة فيصدمهم بل نوقش معهم بهدوء وفي جو مريح لا شتائم فيه ولا تشنّج ولا لوم... وكأنه إعلان حب وارتباط لا انفصال وطلاق!

«هكذا كان إعلان القرار علينا بعد جلسات عديدة» تقول عبير التي تبلغ اليوم 19 سنة. «لا أنكر أننا، أختي وأنا، حزنّا وكانت لدينا هواجسنا كطفلتين لا تتجاوز الكبرى فينا 10 سنوات، لكنها زالت مع الأيام بفضل حرص والدي على التواصل اليومي معنا وقد بقينا في حضانة أمي... أعتقد أننا تجاوزنا الأمر منذ زمن طويل».

ماجد، 20 سنة، أشاد أيضاً بحسن إدارة أهله للطلاق! «فمع أنني بقيت في حضانة أبي، ظلّت والدتي حاضرة دائماً في تفاصيل حياتي». ويكمل: «كنت في الثامنة حين تمّ الطلاق، وقد أفهماني بأن عدم اتفاقهما لا يعني أنهما عدوّان بل صديقان الى الأبد، وأكدا أنني سأبقى أغلى ما في حياتهما. هما في كل مناسبة موجودان معاً الى جانبي وهذا ما ساعدني على تجاوز الأمر...».

 

إذاً من الممكن أن يتم الطلاق وهو أبغض الحلال، وأفضل الحلول أحياناً، بأقل الخسائر والسلبيات على الأطفال والأبناء، وهذا لا يكون إلا بكظم الأهل لغيظهم وغضبهم وانتقامهم ونكاياتهم وشتائم مجرّحة أكثر ما يصيب سهامها أطفالاً «لا ناقة لهم ولا جمل» في كل ما يحصل!

قليل من الحكمة أيها الأهل يريح أكبادكم التي تمشي على الأرض!

هل تعلمون يا سادة أن الطلاق يُعتبر المسبب الثاني للضغط النفسي الخطير على الطفل بعد موت والديه؟!

 

 

Comments