Post Image

كي لا نصل الى كارثة الانتحار!!


السبت 2014/11/29

تحقيق: تانيا زهيري

 

هو أقوى وأعنف صرخة مدوّية للتعبير عن الألم النفسي الذي لم يعد لصاحبه طاقة على احتماله.. وفي نظر مُريديه، خشبة الخلاص الوحيدة المتبقية أمامهم والكي بعد استنفاد الأدوية... إنه الانتحار! هذه الظاهرة القديمة المتجدّدة التي تفتك بالمجتمعات كافة بدون استثناء، ويتساوى فيها الغني والفقير وتعاني منها كل الأعراق والإثنيات والبشر على اختلاف مشاربهم... بمناسبة اليوم العالمي للوقاية من الانتحار الذي صودف في أيلول الماضي، واليوم العالمي للصحة العقلية الذي حُدّد في العاشر من الشهر الحالي، نتناول هذا الموضوع الشائك في محاولة لتسليط الضوء على مجمل جوانب هذه الظاهرة وأسبابها وخصوصاً طرق الوقاية منها.

 

الانتحار ظاهرة قديمة قدم الإنسان، ولدت مع بداية ظهور البشرية على الأرض. فعندما وجد المرء نفسه أمام ظواهر مستعصية أو ظروف قاهرة أو أوضاع تفوق طاقته على الاحتمال، نفسياً أو جسدياً، ولدت في ذهنه فكرة التخلص من حياته ووجوده بهدف إنهاء العذاب الذي يعيشه، بصرف النظر عن تعدّد أشكال هذا العذاب وأنواعه. ولكن العصر الحديث شهد طفرة هائلة في حالات الانتحار على مستوى العالم. فبرغم التطوّر والتقدّم والتكنولوجيا ورفاهية العيش على المستويات كافة، إلا أن ذلك كلّه لم يخفّف من المشاكل النفسية لإنسان هذا العصر بل فاقمها.

ما بين الفقراء والأغنياء!!

 

ثمة دراسات عالمية تثبت أن حالات الانتحار تنتشر أكثر في الدول الفقيرة والتي تتدنّى فيها نسبة العلم والثقافة. ولكن في المقابل، أثبتت دراسات أخرى تزايد النسب في البلدان الغنية والمترفة مثل الدول السكاندينافية التي تُصنّف على أنها الأفضل لجهة نمط الحياة وسعادة شعوبها واكتفائهم، وحيث أعلى نسبة تعليم في العالم. ويعزو المحلّلون هذا الأمر إلى أن العوامل الإيجابية هذه هي بالتحديد أحد أبرز أسباب تزايد حالات الانتحار، إذ مع توفّر كل أسباب الرفاهية للإنسان، تنتفي لديه الأحلام والطموحات ولا يعود هناك ما يصبو إلى تحقيقه أو ما يسعى إلى نيله، وبالتالي يقع فريسة للكآبة والأمراض النفسية التي تودي به في نهاية المطاف إلى الميول الانتحارية إن لم تتوفّر الوقاية اللازمة.

د. زياد نحاس: نحو فجر جديد

 

صودف العاشر من أيلول الماضي اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، وفي هذه المناسبة أطلق رئيس قسم الطب النفسي في «المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت» ورئيس الصندوق الخيري لعلاج المصابين بالأمراض النفسية في لبنان Embrace الدكتور زياد نحاس، بالتعاون مع وزارة الصحة، الحملة الوطنية للوقاية من الانتحار. وكان لنا حوار معه حيث شرح بدايةً أسباب إطلاق الحملة:

- الحافز وراء الفكرة هو انتحار شقيق زوجتي قبل عشرين عاماً، وقد أطلقنا مسيرة «نحو فجر جديد» Into the Dawn للمرة الأولى على صعيد ضيّق في شهر آذار في ذكرى عيد ميلاده. ثم انكببنا على التحضير للمسيرة الأكبر أمام صخرة الروشة في العاشر من شهر أيلول الذي صودف اليوم العالمي للوقاية من الانتحار. كما يصادف في العاشر من تشرين الأول اليوم العالمي للصحة العقلية، لذلك أطلقنا الحملة والمسيرة في الحادي والعشرين من أيلول الماضي التي خصّصناها لموضوع الانتحار والحماية منه. ولا بد من التنويه بالدعم الذي قدّمه لنا بنك عودة، لأنها المرة الأولى التي تربط فيها شركة كبيرة اسمها مع موضوع يدخل ضمن «التابو» أو المحرّمات التي يتجنّب الجميع الحديث فيها. هدفنا التوعية وحث الناس على الانخراط في رسالتنا سواء تطوّعاً ضمن مؤسستنا، أو من خلال الدعم المالي، كي نتمكّن من تحقيق أهدافنا في مساعدة الأشخاص والحفاظ على حياتهم.

[ كيف يمكن الوقاية من الانتحار؟

- 90% من حالات الانتحار مرتبطة بأمراض نفسية شديدة، وبالتالي الوقاية تكون من خلال التشخيص المبكر لتلك الأمراض، ومن ثم معالجتها، لتفادي حصول مضاعفات تؤدي بدورها الى نتائج مأساوية كالانتحار. وهدفنا من خلال Embrace جمع تبرّعات بإطلاق أول خط ساخن Hotline في المنطقة العربية للوقاية من الانتحار، بهدف مساعدة من يمرّون بمشاكل نفسية وحمايتهم من الإقدام على الخطوة. ثمة هدفان أساسيان للجمعية، الأول إزالة وصمة العار التي تلحق بالأمراض النفسية، وتشجيع الناس على التحدّث عنها والخضوع للعلاج. والهدف الثاني تأمين الدعم المالي كي نتمكّن من علاج غير القادرين على تحمّل التكاليف، خصوصاً أن شركات التأمين لا تغطّي الأمراض النفسية.

[ ما هي أهم الأسباب وراء تزايد حالات الانتحار في لبنان؟

- ليس واضحاً جداً بالنسبة إلينا مدى الفارق في الأرقام، هي أكثر وضوحاً لدى وسائل الإعلام. إحصاءاتنا مصدرها وزارة الداخلية التي قد تكون أقل من الأرقام الفعلية، فنحن نحصل على محاضر الدرك ونعلم بحالات عدة لم تكن موجودة ضمن إحصاءاتهم. ولكن الأرقام التي بحوزتهم ما بين 2008 و2013 كانت ثابتة نسبياً. المقلق هو أننا نملك أرقاماً لسبعة أشهر من عام 2014، وإذا أجرينا حاصل ضرب المعدل الوسطي للأشهر السبعة برقم 12 لمحاولة استنتاج رقم تقريبي للعام كله، نجد ارتفاعاً بنسبة 25%، ولا نعرف ما إذا كان سيثبت هذا الرقم في نهاية العام، كما أننا لم نتبيّن حتى الآن أسباب تلك الزيادة أو الارتفاع في نسبة الانتحار خلال السبعة أشهر، لكننا نعمل على تحليل الدراسات والحالات والإحصاءات كي نتبيّن أهم العوامل التي يجب أن نركّز عملنا عليها.

[ هل هناك أرقام عن نسب الانتحار في لبنان بشكل عام وليس ضمن فترة محددة؟

- حتى لو أخذنا في الاعتبار أن ثمة حالات لا يُصرّح عنها بسبب مفهوم العيب وغير ذلك، إنما تشير الإحصاءات إلى أن هناك حالة انتحار كل ثلاثة أيام، أي نسبة حوالى 3.2% التي ما زالت نسبة أقل مما هي في بريطانيا (14%) وأميركا ودول اسكاندينافيا. فبرغم كل عوامل التوتر والتعب النفسي في مجتمعنا، ثمة عوامل في المقابل تحمي، كالترابط العائلي والعامل الديني وغيرهما.

[ هذه النسبة كم هي خطيرة مقارنةً بعدد سكان لبنان؟

- لا ليست خطيرة إذا ما قارنّاها على مستوى العالم مثل اليابان وكوريا الشمالية، لكن مجتمعنا أصغر بكثير، كما أن الانتحار عندنا يؤثر على عدد أكبر من الأشخاص بسبب ترابط الشبكة العائلية، ولأن المجتمع اللبناني متداخل ومتشابك.

[ ما هي نصائحك للعائلة التي تلحظ ميولاً انتحارية لدى أحد أفرادها؟ وكيف يجب أن تتصرّف؟

- يجب أولاً أن يكون هناك شخص من الأسرة يثق فيه المريض كي يبدأ الحديث في الموضوع. وإذا شعر الأهل بخطر من هذا النوع يجب أن يأخذوه إلى المستشفى حيث يتكّفل الأطباء النفسيون في تشخيص حالته ثم علاجها.

[ ثمة مقولة شائعة إن المنتحر لا يرغب في الانتحار إنما يريد توجيه رسالة إلى أهله ومحيطه وينتظر منهم مساعدته. ما تعليقك؟

- صحيح، المنتحر بشكل عام لا يسعى إلى الموت، بل يريد التخلّص من الألم الذي يعاني منه، ولكن غير صحيح أن من يهدّد بالانتحار لن يقدم عليه، هذا أيضاً خطأ شائع لأن من يطلق صرخة الاستغاثة والألم قد لا يجري الحسابات بشكل صحيح، ما يؤدّي به في نهاية المطاف إلى إيذاء نفسه. كل حديث عن انتحار أو ملاحظة أي عارض تدفع إلى الشك بذلك، يجب أن تؤخذ بشكل جدّي جداً.

مشاهير قضوا انتحاراً

 

عبر التاريخ، شهد العالم حالات انتحار غير موثّقة بالمعنى الفعلي للكلمة، لأن أصحابها عاشوا في أزمنة غابرة، إنما انتقلت إلينا أخبارهم بالتواتر عبر المؤرخين، وإن كانت تخلو من التوثيق بالدليل الحسي نظراً لغياب عناصر الإعلام بجميع أشكاله أكان المكتوب أم المسموع أم المرئي. من العظماء الذين نقل لنا التاريخ أنباء وفاتهم انتحاراً: القائد القرطاجي هنيبعل، زنوبيا ملكة تدمر، الملكة الفرعونية كليوباترا...

أما في العصر الحديث نسبياً، فهناك عدد من الشخصيات من مجالات مختلفة اختارت أن تنهي حياتها بنفسها وإن بأشكال ووسائل متفاوتة. ومن المشاهير اللبنانيين الذين ماتوا انتحاراً: الشاعر خليل حاوي، الفنانة داني بسترس، الممثل الياس رزق وغيرهم...

ومن المشاهير العرب: الممثلة المصرية سعاد حسني، الكاتب المصري اسماعيل أدهم، الأديب الأردني تيسير سبول، الأمير السعودي طلال العبد الله الرشيد، المشير عبد الحكيم عامر وآخرون...

ومن مشاهير الغرب: الكاتب الأميركي أرنست هيمنغواي، قبطان سفينة التايتانك إدوارد جون سميث، الزعيم النازي أدولف هتلر، المغنية الفرنسية داليدا، المليارديرة اليونانية كريستينا أوناسيس، الروائية الإنكليزية فرجينيا وولف، الرسام الهولندي فان غوغ، الممثلة الأميركية مارلين مونرو، المغني الأميركي ألفيس بريسلي، الممثل الأميركي روبن ويليامز، المغني الأميركي كورت كوبين.. واللائحة تطول.

لا بد من التنويه بأن عدداً من حالات الانتحار لمشاهير فنانين وسواهم ظلّت محاطة بالغموض والشك، إذ حامت حولها شبهات اغتيال تحت ستار الانتحار، ولكن ظلّت تلك الشكوك ضمن خانة التكهّنات وعزاها البعض لما يعرف بـ «نظرية المؤامرة». ويبقى الغموض سيّد الموقف حتى يومنا هذا إلى أن تأتي معطيات تقطع الشك باليقين.

يقرّران الانتحار احتفالاً بعيد زواجهما الـ 64!

 

قرر زوجان من بلجيكا فى الثمانينات من عمرهما الانتحار معاً خشية أن يفرّقهما الموت ويعيش أحدهما وحيداً من دون الآخر فيصاب بالاكتئاب المزمن. وذكرت صحيفة «الديلي ميل» البريطانية أن الزوج فرانسيس البالغ من العمر 89 عاماً والزوجة البالغة من العمر 86، قررا أن يموتا معاً بطريقة «الموت الرحيم» حتى لا يخطف الموت أحدهما. وأضافت الصحيفة أن الزوجين اختارا الثالث من شباط المقبل، وهو يصادف الذكرى 64 عاماً لزواجهما، ليكون موعداً لانتحارهما حيث سيتناولان جرعة زائدة من الحبوب المنومة. وأوضحت أنه تم إخطار المستشفى التي سينتحران فيها وهي في العاصمة بروكسل لكي يتم دفنهما معاً..

الحيوانات أيضاً... تنتحر!

 

نعم، حتى الحيوانات تقدم على الانتحار! ولكن بطبيعة الحال، فإن هذا العمل لا ينتج عن حالة وعي وإدراك عقلي ناتج عن تفكير مسبق ومحسوب ومدروس كما هي الحال عند البشر، ومع ذلك فقد شهدت مملكة الحيوان ظواهر لافتة لحالات من هذا النوع:

في الزمن السحيق، ذكر الفيلسوف الإغريقي أرسطو أن حصاناً رمى بنفسه في وادٍ سحيق عندما اكتشف أنه ارتكب خطأً جسيماً! وفي عصور لاحقة، سُجّلت حالة من هذا النوع لدى أحد الكلاب عام 1845 عندما ظلّ يحاول إغراق نفسه حتى أفلح بعد محاولات عدة. ومن الشائع جداً لدى العامة أن العقرب ينتحر بلسع نفسه إذا ما حاصرته النيران. كما يُعرف عن الفيل أنه، عندما يمرض مرضاً لا شفاء منه، يلجأ إلى مقبرة الفيلة ويمتنع عن تناول الطعام والماء كي ينهي حياته بسلام. كما تقدم حيوانات كثيرة على الانتحار كالأرانب والخنازير والنسور والصقور والبط والقطط والبجع والدولفين. ولعل الأشهر بين الحيوانات هو الانتحار الجماعي للحيتان التي ترمي بنفسها بأعداد كبيرة على الشواطئ في ظاهرة ما زالت لغزاً يحيّر العلماء حتى الآن.

صدّق أو لا تصدّق: روبوت ينتحر!

 

نشرت مجلة «مترو» البريطانية تقريراً حول «تسجيل أول حالة انتحار لروبوت إلكتروني في العالم»! وذكرت يبدو أن الروبوت أصيب بالملل من الأعمال المنزلية المرهقة والرتيبة الموكلة إليه، فقرر الاحتجاج بطريقته الخاصة. فقد كان صاحب المنزل النمساوي يمتلك «روبوتاً للتنظيف» فأوكل إليه مهمة «تنظيف الأرض من الحبوب المنسكبة»، وبعدما انتهى من مهمته بنجاح، صعد إلى منضدة المطبخ ووصل إلى الفرن الكهربائي فدخل إليه، وقام بتشغيله مدمراً نفسه حرقاً! وما يشير إلى أن «الروبوت» قد يكون انتحر، هو أنه شغّل نفسه بنفسه وأصرّ على تشغيل الفرن الكهربائي بنفسه، وسار حتى دخله من دون أن يُوجّه له الأمر بذلك. وقالت المجلة إن الروبوت - الموجود في بلدة «هينترستودر» بمقاطعة «كيرشدورف» النمساوية - بدأ ينزعج على ما يبدو من تكليفه بتنظيف المنزل كل يوم بالطريقة نفسها!

 

رأي الدين

 

من المعروف أن فكرة الانتحار تعتبر من الكبائر المحرّمة في الأديان عموماً، إذ إن الدين الإسلامي وكذلك المسيحي يحرّمان قتل النفس. وإن تعدّدت التفسيرات والتحليلات والمبررات بين دين وآخر، أو بين مذهب وآخر، إلا أن رأي الفقهاء وعلماء الدين بشكل عام، وفقاً للكتب السماوية، ينظر إلى ظاهرة الانتحار على أنها أمر محرّم ومرفوض، بصرف النظر عن الأسباب أو الظروف أو المعطيات المختلفة. وبالتالي، يمكن اعتبار أن ثمة ما يشبه الإجماع على هذا الموضوع ضمن الحلقة الدينية.

 

Image gallery

Comments