Post Image نفس

عندما أخفوا أسرارهم عن بعضهم البعض!


الجمعة 2015/12/25

تغريد حامد – سنوب

الجمعة 25/12/2015

 

ـ لم يخطر في بالي أن إعجابي البريء سيكون محطة لمعايرتي فيما بعد كما للشجار بيننا

ـ الرجل بطبيعته يحب البحث في خصوصيات زوجته وفي ماضيها ويعتبر ذلك حقاً مقدساً من حقوقه

ـ ثمة دراسات نفسية تؤكد أن الزوج الذي يكاشف زوجته بسرّه العميق هو محبوب أكثر من سواه

ـ في مجتمعنا الذكوري، على المرأة أن تكون كتاباً مفتوحاً، في حين يملك الرجل خزانة مقفلة يدخلها بمفرده وقت يشاء

ـ من الأسرار ما كتمانه أفضل للأسرة والزوج! وقد يكون لغاية نبيلة

ـ الخصوصيات من حق كل فرد على ألا تؤذي الشريك أو تمسّ بحقوقه

 

هناك في مكان سرّي للغاية في عقولنا نخبّئ بعض الأمور، لا نريد أن نشارك بها أحداً حتى أقرب الناس إلينا. لكل واحد منا مخابئه العميقة يدخل إليها منفرداً على أطراف أصابعه... إنها خصوصياته التي يحرص على سريتها ولا يحب أن يهتكها أحد مودعة في صندوقه الأسود! ولكن ماذا عن الشريك؟ هل هي من حقه أيضاً؟ هنا السؤال...

 

يُجمع كثر على أن الزواج هو العلاقة الوحيدة التي ينبغي أن تُكشف الخصوصية والأسرار أمامها، وإلا فكيف يصبح الزوجان جسداً واحداً أو وحدة واحدة؟ وكيف يمكن أن يكنّ {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} أي أن يكون الواحد ستراً وغطاءً للآخر؟ لكن ما بين الكتمان المغلق والإفصاح المطلق، ثمة منطقة وسطى متوازنة يمكن أن تنأى بالعلاقة عن محاذيرهما، وكل ما يلزم في ذلك بعض الفطنة والحكمة. تصوروا معي امرأة تصارح زوجها «الغيور» بأنها تعرّضت لتحرشات جنسية أو أن تحكي تفاصيل لا تؤدي سوى لإذكاء غضبه، أو أن تخبره أن حبيبها السابق استوقفها في الشارع وتحدث معها، أو... وهي تعلم أن زوجها رجل تقليدي غيور ويمكن أن يرتكب حماقات وقد يسلّط غضبه عليها فيتّهمها بأنها «موضوع قابل» وهي السبب في ما يحدث لها! ثم... غيور أو لا، هو في النهاية رجل شرقي قد تنتابه الظنون لتكون المرأة هي الضحية!

هذه إشكالية تطرح أسئلة محيرة لا بدّ منها: هل على المرأة كتمان كل ما لا تقبله شرقيته؟ هل عليها أن تخفي عنه بعض المعلومات أو الأحداث من ماضيها قد تثير الالتباس مع أنها بريئة؟!

تقول ن. ع. إنها في لحظة حميمة أخبرت زوجها بأن أستاذها في الجامعة كان معجباً بها وأنها كانت تبادله نظرات الإعجاب من بعيد. «كان يتحدث كرجل متحرر، وحين سألني عن الماضي، لم يخطر في بالي أن إعجابي البريء سيكون محطة لمعايرتي فيما بعد كما للشجار بيننا».

المفارقة أن سؤاله لها جاء بعد حديث طويل للزوج عن ماضيه ومغامراته ونسائه، فإذا بعينه «تضيق» بنظرة إعجاب من بعيد لم تسفر عن شيء البتة!

«أمور تافهة صغيرة هي كبائر في عيون رجالنا الشرقيين» تقول المرأة نادمة... «وأي علاقة لها بأصدقاء ذكور أو زملاء هي موضع شك وأسئلة هي بغنى عنها!». لكن الرجل بطبيعته يحب البحث في خصوصيات زوجته وفي ماضيها وتفاصيل حياتها ويعتبر ذلك حقاً مقدساً من حقوقه... و«إذا أخفت هي أبسطها فذلك يعني أنها تخدعه ووراء الأكمة ما وراءها، فلو كانت واضحة وواثقة لن تخشى التحدث عنها»! يقول أحدهم بحدّة!

ترى هل يتحدث الأزواج لنسائهم عن أسرارهم؟ لا أعني هنا مغامراتهم النسائية قبل الزواج، فالرجل يحب «الفشخرة» وادّعاء «الدون جوانية» والكلام عن انتصارات معظمها وهمية، إنما أتحدث هنا عن مرحلة ما بعد الزواج، منها أموره العاطفية والجنسية الجانبية ومنها المالية... إليكم هذه الإجابة: كشفت دراسة جديدة نشرتها Mailonline أن ملايين الرجال لديهم حسابات بريدية سرية يتحدثون عبرها الى صديقات لهن، فواحد من بين 5 رجال لديه حساب بريدي سري تجهله الزوجة. ومنهم من قال إنه من أجل علاقات خاصة وآخرون اعترفوا بأنها من أجل حساباتهم المالية، فيما أقرّ واحد من بين 20 رجلاً بشراء موبايل من أجل سريته، و77% من الرجال أقرّوا بحذف رسائلهم النصية التي قد تقرأها الشريكة!

هذه الأسرار تدلّ على «زغزغة» النية لدى الرجال، فالرجل يكتم الأمور غير المرضية «تجنّباً للومها وللمشكل الذي ستفتحه الزوجة معه». ويقول ماجد إن الكتمان أحياناً فقط «لتجنّب قلقها و«نقّها» حول الموضوع والعودة إليه فيما بعد من حين لآخر، بينما يريد هو إقفاله ونسيانه». أما أشرف، وغيره كثر، فيدّعي بأن المرأة بطبيعتها تحب الفضفضة الاسترسال أكثر من الرجل، بل هي تقحمه في مشاكل عملها وصديقاتها وأهلها، في حين يميل هو الى الصمت لا الى التحدّث عن تفاصيل أموره أمامها. «الرجل أكثر ميلاً للفضفضة مع رجل صديق أو مقرّب منه، وذلك لأنه أكثر كتماناً ومساعدة».

هي قلة ثقة بالمرأة وقدرتها على حفظ الأسرار؟ نعم هي أحد الأسباب، لكن سبباً مهماً هو ـ كما رأينا ـ أن هذه الأسرار بمعظمها ضد الزوجة أصلاً فكيف يخبرها بها؟ كيف يخبر الزوج زوجته مثلاً عن خياناته أو لهوه خارج البيت أو فانتازماته المشبوهة على امرأة أخرى تعجبه وهما في اللحظات الحميمة؟

معظم الرجال لديهم أسرار مالية يخفونها عن نسائهم، فهم لا يحبون الكلام حول «كم معهم أو عليهم». يخشون طمع الزوجة، أو تماديها في صرف المال حين تعلم أنه مرتاح مادياً. كما أن الرجل لا يحب مناقشة مشاكله المالية كما تقول أسماء «كي لا يزعزع ثقتها به وبقدرته على تحمّل مسؤولية الأسرة، وفي ذلك امتهان لرجولته و«قيمومته» عليها!

وإذا استرسلنا في الحديث حول ما يكتمه الرجل عن المرأة ربما قبل الزواج فهو أكثر من أمر:

ـ وضعه الصحي أو النفسي.

ـ مرض وراثي في العائلة.

ـ تفاصيل زواج سابق.

ـ عقمه أو ضعفه الجنسي وتناوله المنشطات سراً.

ـ مساعدات مالية لأهله.

ـ كما يخفي عليها انزعاجه من قصصها الطويلة التي تسردها وربما تتناول بها الجيران أو أي أمر لا يخصه. ويخفي عنها أنه لا يستمع إليها بل يتظاهر بذلك!

هي أيضاً قد تخفي عنه هذه الأمور عينها. تخفي إذا ما كانت لديها مشكلة نفسية أو صحية أو جنسية كالبرودة الجنسية مثلاً. وتخفي حقيقة مرتّبها لأنها تريد أن تستبقي لنفسها جزءاً منه لتنفقه على مظهرها أو الأشياء التي تحبها، أو ضمانة للمستقبل إذا ما كان الانفصال بينهما! تخفي أسرار عائلتها، ديون والدها مثلاً، مشاكله، غرام أختها بأحدهم... كما أنها لا تخبره بالمبالغ التي تدفعها ثمن ملابسها أو حقيبتها. قد تخفي عنه مشاكل الأولاد ضعفاً منها تجاههم. لكن الأهم من ذلك كلّه قد تخفي عنه خصوصيات ماضيها، أو خشيتها من خيانته لها أو هجرها!

فبعض الأسرار لا يحق لنا التفرّد بها، لأنها تخص الشريك أيضاً. وكتمانها بطبيعة الحال يُعتبر كذباً وإفكاً وخيانة له، إذ قد تبنى عليها قرارات ومواقف معينة هي غيرها قبل الإحاطة بها!

يقول أسعد «لن أتزوج من فتاة لا تسرّ لي بأشياء مهمة من حياتها. فمن حقي معرفتها ومن حقي الاختيار بين القبول أو عدمه. المصارحة من البداية تبني الثقة. تصوّري أن أكتشف بالصدفة يوماً بأنها كانت تتلقى علاجاً نفسياً، أو أن لديها مشكلة صحية مهمة، أو أنها كانت على علاقة عاطفية معروفة أو علاقة جنسية بأحدهم أو تعرّضها للاغتصاب!...».

طبعاً السبب الأول لإخفاء السر عن الشريك هو الخوف من رفضه له، وبالتالي هجره، أو على الأقل إصابته بالصدمة والألم واهتزاز العلاقة وزرع الشك لديه. وعدا عن صورة الذات التي يحاول كلٌّ منهما الحفاظ عليها أمام الآخر، ثمة حذر ـ خصوصاً لدى المرأة ـ من معايرة الشريك فيما بعد، أو ابتزازه واستغلاله لهذا السر، أو حتى إفشائه لمن هم خارج البيت الزوجي.

بين التستّر والفضيحة

 

تقول مايلة «صارحت زوجي بسرّ ظل لسنتين جبلاً على كتفي، فإذا به يعاملني ببرودة وتعالٍ ولا يوفر فرصة إلا وينتهزها ليعايرني ويحط على عيني وإن بطريقة غير مباشرة. هو درس لن أنساه، فقد علّمني ألّا أعيد الكرّة وأخبره بشيء على جانب من الحساسية».

لم تخبرني المرأة بسرّها ذاك الذي كشفته لزوجها في «لحظة صفا»، فهو سر ولا تريد فضحه، وأكثر ما يقلقها أن يقوم زوجها بذلك فيخبر عائلتها.

لماذا كشفت مايلة اليوم عن سرها؟ ذلك لأن للسر وطأته الثقيلة وآثاره السلبية، وصاحبه يقع بين عبئين: التستر عليه أو الفضيحة! لكن شخصية الشريك ومساحة الأمان التي يوفرها للآخر تساعدانه على الإسرار بما لديه من أجل تعزيز الشراكة. وثمة دراسات نفسية تؤكد أن الزوج الذي يكاشف زوجته بسرّه العميق هو محبوب أكثر من سواه. فهو من جهة يوحي بالثقة، ومن جهة أخرى لا يودع المرء خصوصياته الحساسة إلا لدى من هو أكثر حظوة لديه. لكن ماذا لو شعر الواحد منهما بأن في الجو ظلال أشياء مبهمة وبعض الغموض؟! هنا يتجه من لديه هذا الشعور الى الجاسوسية أو يتقمّص شخصية «شيرلوك هولمز»، ولو لم يكن بذكائه، وقد يقترف الأخطاء بحق الآخر، كأن يفتش في أشيائه الخاصة على دلائل أو قرائن توضح، تكذّب أو تؤكد صحة إحساسه أي أنه يقتحم أسراره غصباً عنه. أما إذا ضُبط متلبساً فقد تكون هنا الطامة الكبرى!

تقول سيرين إنها دخلت الغرفة فجأة لتجد زوجها يبحث في حقائبها وأغراضها الشخصية عن...؟! «لم يقل عن ماذا، ولم يفدني بإجابة منطقية، لكنني فهمت، يريد أن يظل محيطاً بأدقّ أموري، ومن ضمنها المالية، فهو يخشى أنني أحتفظ ببعضها لنفسي. أشعر بالمهانة لأنني أعيش معه بلا خصوصية مع أنه يحتفظ بكامل خصوصياته لنفسه».

صحيح، في مجتمعنا الذكوري هذا هو الواقع، على المرأة أن تكون كتاباً مفتوحاً، في حين يملك الرجل خزانة مقفلة يدخلها بمفرده وقت يشاء! طبعاً هذا الامتياز يعود الى «القيمومة» والسطوة، والى مفاهيم «الشرف الرفيع» والخشية على «العرض»!

لكن من الأسرار ما كتمانه أفضل للأسرة والزوج! وقد يكون لغاية نبيلة. قرأت مرة عن امرأة أخفت مرضها، سرطان الثدي، عن أسرتها لمدة سنتين، لتتابع العناية بزوجها الذي أصيب بـ «التصلّب اللويحي المتعدد»!

فال ترنر، 66 سنة، توفيت في أواخر نيسان الماضي بعد شهرين فقط من موت زوجها برنار ـ 68 سنة ـ الذي عانى من مرضه لـ 8 سنوات... وحين كان يلفظ أنفاسه كانت حالتها الصحية قد ساءت الى درجة أن ابنتيها اكتشفتا الأمر. وتعلّق إحداهما قائلة: «فضّلت أمي أن تمضي أيامها في رعاية والدي على تلقّي العلاج».

كان خياراً شجاعاً أن تبقي أمرها سراً لم تبح به لأحد. كيف أمكنها ذلك برغم الألم الشديد الذي كانت تحسه؟ مسألة تثير الدهشة فعلاً!

منى أيضاً تكتم عن زوجها المسافر كل ما يمكن أن يشغل باله من مشاكل البيت والأولاد. «أعرف أنها أمور جدية وربما من الأفضل لي ألا أتحمّل مسؤوليتها. لكنني لا أحب أن أقلقه وأزيد همومه، فلديه ما يكفي منها. ماذا بإمكانه أن يفعل غير التوتر والقلق إن علم أنني أدخلت ابننا المستشفى أو تعرّضت أنا لحادث سيارة أو ... أو ... إذا كنت قادرة على معالجتها جميعاً؟».

وبعد... يقول أحدهم: نحن لا نكذب حين لا نقرّ ببعض الأمور مثل: «لا حبيبتي، أنا لا أبصبص ولا تلفتني أي امرأة في الشارع مهما كانت جميلة، أو حين لا نتحدث بتاتاً عن أمر لا أهمية كبيرة له». لكن الاختصاصيين يرون أنها وإن كانت الكذبة بيضاء، ربما تحوّلت مع تكرارها الى مسامير تعرقل العلاقة الزوجية... لأن الزوجة قد تعتقد بأن زوجها الكاذب يمكنه الكذب في مسائل أخرى، وبعيداً عن التحيّز العكس صحيح! نعم، المصارحة تمتّن العلاقة وتنقيها من الشكوك والأوهام. فهي تغسل النفس وتريحها من أثقال السر وسلبياته ومن عقدة الذنب أيضاً... لكن هذا لا يمنع أن ثمة ما لا يقال، وأن الخصوصيات من حق كل فرد على ألا تؤذي الشريك أو تمسّ بحقوقه.

 

جميعنا لدينا أسرار صغيرة أو كبيرة نحب أن نبقيها في العتمة. والعجيب أن يخفي جهازنا النفسي بعضها عنا، ما يسمى بعملية الكبت، إذ يدفع بحدث أو ذكرى، مؤلمة أو مخجلة، بعيداً عن وعينا ويغيّبها في منطقة اللاشعور. هي عملية دفاع نفسي طبيعي إذا لم تتجاوز حدوداً معقولة، وإلا فإنها تصبح مرضية! هذا الكبت ربما من حقنا ممارسته على الآخرين حماية منا لأنفسنا، مع مراعاة التوازن في ذلك وحقوق الشريك وإلا... فالخلل سيدمر العلاقة معه لا محالة!

الدخول الى جحر الثعبان؟!

 

أحياناً، أن نحوم حول الأسرار يمكن ألّا يكون في مصلحتنا، ثمة منها إذا هُتك يقلب الدنيا رأساً على عقب. قد يدمر أو... نتيجته هي كما الدخول الى جحر ثعبان! يقول الفرنسي شارل بيرو، أحد الآباء الشرعيين للأدب الخرافي للأطفال إن «المكان السري هو حيّز المعرفة بامتياز...». في قصته «ذو اللحية الزرقاء» يقود الفضول الزوجة الثامنة للملك الى الغرفة الصغيرة الوحيدة التي منعها من دخولها، فإذا بها تصاب بصدمة قوية لرؤية جثث زوجاته السابقات اللواتي قتلهن. شعورها بالرعب الشديد يوقع المفتاح من يدها على الأرض ليتلطّخ بالدماء، وهو ما كان دليل الملك على فضحها سرّه وعصيانه، فيسجنها في أعلى البرج ويقرر قتلها، لكنها تُنقذ.

إنهما الفضول والمعرفة، وإن كان قصد المؤلف أبعد من «السر الزوجي»، فالفضول هو بيت القصيد الذي دفع بها الى المغامرة والمخاطرة لاكتشاف سر الغرفة وهو سر زوجها... وكاد اكتشافها يكلّفها حياتها!

يتساءل المتسائلون: هل كان من الأجدى والأكثر أماناً لها الابتعاد عن أسرار زوجها وما يترتّب عليها من احتمالات أم اقتحامها وكشف الحقيقة مهما كانت؟!

 

 

رأي علم الاجتماع

لا للخلط بين مفهومي الخصوصية والسرية 

 

ـ كلما علا مخزون الخفايا، عانى منسوب الثقة

ـ الزواج هو ميثاق شراكة وليس ميثاق تملك

 

سألنا ميرنا زخريا، باحثة في علم الاجتماع السياسي عن الأسرار بين الزوجين:

[ ما مدى أهمية مستوى المصداقية في الحياة الزوجية؟

ـ الصدق يعتبر أحد مفاتيح الحياة الزوجية الهنية، وما ضياع هذا المفتاح إلا ضياع لأسس الثقة بالشريك، فمن دون عامل المصداقية، لا يعود هناك من مؤسسة زوجية حقيقية بل مجرد شخصان يعيشان معاً بشكل قانوني، ذلك أن المضي بإخفاء الأسرار يؤدي تدريجياً إلى انهيار العلاقة، إذ كلما علا مخزون الخفايا، عانى منسوب الثقة. إنما عليهما عدم خلط مفهوم الخصوصية ـ ما يخص أحدهما ـ بمفهوم السرية ـ ما يخصهما معاً ـ فالأولى تختلف كثيراً عن الثانية لناحية التأثير على قدسية واستمرارية العلاقة بينهما. وللتوضيح: الخصوصية تطال مساحة الاهتمامات التي تلامس السطحية، مثلاً إخفاء شراء ملابس، دعوة غداء، زيارة أصدقاء، ممارسة هواية... فيما الأسرار تطال صلب التصرفات التي تخصهما كزوجين مثل إخفاء حساب مصرفي، خيانة جسدية، بيع عقار، تغيير مهنة...

بإمكان الزوجين مقاربة موضوع الأسرار بالاستناد إلى شبكة الألوان: الأبيض هو ما يعرفه واحدهما عن الآخر، والملون هو ما ليس مسيئاً لكنه مخفي عن أحدهما، والأسود هو مشروع لتدمير العلاقة إذا أخفي.   

[ لماذا قد يشاء أحدهما الاحتفاظ ببعض الأسرار؟

ـ عدم إفشاء سر لا يعني بالضرورة أن وراءه خبايا قديمة أو خفايا أخلاقية، إذ قد تكون الدواعي مشروعة، كالتخوف من:

1ـ إحداث حزن أو صدمة للشريك ما سيستدعي التريث. 

2ـ سوء فهم للنوايا الحقيقية الكامنة وراء تصرف معين.

3ـ زرع بزور الشك التي ستعززها بعدئذٍ مشاعر الغيرة.

4ـ خسارة الصورة النقية المطبوعة عن الآخر في ذهن شريكه.    

5ـ فقدان الثقة بينهما وبالتالي السير باتجاه النبذ أو الهجر.

6ـ فضح أخبار شخص ثالث هو المعني الأساسي بالسر.

7ـ ردّ فعل عنيف حصل مثله سابقاً وهو عن غير حق.

[ وماذا عن تكاثر المشاكل بسبب حجب كلمة سر الهاتف أو البريد الإلكتروني؟ 

ـ الهجمة التكنولوجية التي واكبت العصر الحالي فرضت واقعاً جديداً على نمط حياة الأسرة بكل أفرادها، ما تسبب في أحيان كثيرة بفوضى في العلاقات الزوجية. المشكلة الأساس قد لا تتمحور حول حجب كلمة السر، بل ربما حول ضعف الثقة بين الشريكين. في الحالات المماثلة عادة ما يكون لكل من أسلوب السؤال وأسلوب الجواب أبعد الأثر في تعقيد أو تبسيط الوضع: فمن جهة، لا يمكن السماح بالتجسس على الآخر أو اتهامه زوراً، ومن جهة أخرى من ليس لديه ما يخشاه لا يتبنى منهجية مريبة أو يعطي أعذاراً واهية. لكن حذار، فأحياناً، وتحت الضغط النفسي المتصاعد، قد لا تكون ردة الفعل بمستوى الفعل، من هنا ضرورة حسن الظن والتقدير إلى حين إثبات العكس. 

إن احترام الخصوصية هو واجب، حتى بين الزوجين. إنما ليكون هذا الأمر كاملاً ومتبادلاً، عليه السير بالاتجاهين، بحيث: الفريق الأول يثق بالثاني، وفي الوقت نفسه الفريق الثاني يكون أهلاً للثقة، فالزواج هو بمثابة ميثاق شراكة وليس ميثاق تملك.

Comments