Post Image طب

د. جمال حافظ: أكثرية العنفيين عاجزون جنسياً والإثارة معدومة لديهم!


الأربعاء 2014/11/19

دورة العنف الدموي التي تغرق فيها فئة كبيرة من مجتمعاتنا العربية، وحجم الموت الذي يخطف المئات من الأبرياء، يدفعان للتساؤل إن كان ذلك ينعكس بشكل أو بآخر على الممارسات الجنسية للبشر؟ فهل صحيح ما يتردد بأن الرجال يحاربون الموت بممارسة الجنس؟ كذلك نقرأ ونسمع عن ممارسات جنسية لا تستقيم لدى بعض الرجال سوى من خلال سلوك عنفي من شأنه أن يؤذي الشريكة إن لم يكن جسدياً فمعنوياً حتماً. فما هي أسباب هذا العنف الذي يرغبه بعض الرجال في ممارساتهم الجنسية؟ وما هو حال هؤلاء الإرهابيين الذين يمارسون القتل وكأنه شربة ماء؟ وهل لهم حياة جنسية؟ هذه الأسئلة وغيرها، حملناها إلى الأستاذ في الطب النفسي الدكتور جمال حافظ، ومعه كان حوارنا.

 

بداية، أضاء د. حافظ على بعض الأمور لوضع نقاط أساسية يرتكز عليها تعريف الأداء الجنسي، فقال:

ـ علمياً الجنس هو عبارة عن حالة عاطفية تُترجم جسدياً، أي أنه تبادل أحاسيس ومشاعر بين شريكين. الحالة الجنسية تبدأ من الرغبة التي، عندما تتكوّن لدى الإنسان، تطفو إلى سطح الحالة الفكرية لديه بما يسمى بالفانتازمات أو الهوامات الجنسية. والأشخاص الذين لديهم تركيبة بشرية عدائية وبنية شخصياتهم مدمرة، فإن الهوامات عندهم تتجه نحو العنف.

[ من هم العنفيون في ممارساتهم الجنسية؟

ـ هنا نعود إلى الفانتازم. فكل إنسان ـ وأعني هنا الرجل ـ تعذّب في صغره، اغتُصب على سبيل المثال، لديه فكره المبني على الشر وعلى أذية الآخر. بشكل عام هؤلاء يترجمون حالاتهم هذه خلال الجنس بشكل عنفي، وهذا مستند إلى دراسات. ومنهم من لديهم واقع مختلف، إذ يتميّزون بالعنف في أدائهم العام، لكنهم في الجنس يشبهون الأطفال.

[ وهناك من لديهم حياة هادئة كلياً ومظهر لطيف، لكنهم يعيشون ممارسات جنسية عنيفة؟

ـ هؤلاء من نسميهم «سيكوباتك». لديهم شخصيات غير ناضجة، بمعنى شاذة وعنيفة اجتماعياً. هم يتأقلمون بشكل سريع وحسّاسون تجاه العقاب. ميزتهم أنهم يصمتون ولا يعبّرون مطلقاً في حال تعرضهم للعقاب أو للمساءلة. وفي مثل هذه الحالات سحناتهم لا تنبئ بأي معلومة. وينطبق عليهم المثل الذي يقول: «يقتل القتيل ويمشي في جنازته».

[ وهل تتكوّن الهوية الجنسية منذ الولادة؟

ـ ليس للهوية الجنسية أن تتكوّن منذ الولادة. إنها مكتسبة وبحسب البيئة التي يعيش فيها الفرد، وكذلك التجربة الحياتية التي يعيشها أحدنا منذ الصغر وحتى سن البلوغ.

[ هل لنا أن نحدد أكثر دوافع العنف في الممارسة الجنسية لدى الرجال؟

ـ هذا ما يُعتبر موضوع دراسة كبيرة تختلف من مجتمع لآخر ولا يمكن أن نعمم. المسألة الوحيدة الممكن تعميمها هو الفانتازم. وليس لنا أن نعرف ما يدور في رأس الرجل من فانتازمات. فقد يأتي مثلاً من مشاهد ناتجة عن معايشات ومشاهدات معينة مرّت في حياته، أو عن أحلام في مخيلته. وربما يكون هذا الهوام نتيجة أمر كامن في داخله يخرج منه بدون معرفته، وهو يعمل لتطبيق ذلك لإفراغ هذا الوحش الموجود في صدره من حيث لا يدري، وهكذا يكتشف الفانتازم الخاص به والذي يمكن أن يكون حالة جنسية عادية جداً، أو حالة لافتة جداً. ثمة فانتازمات لا حصر لها. وللعلم أنه، ومع تطبيقه من قبل المرأة أو الرجل، فهو يزول ويظهر بديل جديد له لأنه ناتج عن مشاعر وأحاسيس، وهي تتبدل. وفي حال وجود تناغم بينهما أو لنقل قبول ضمني من الطرفين على الفانتازم الخاص بهما، فعليهما الانتباه بحيث لا يتخطى الخطوط الحمر مثل الأخلاقيات. منهم من يتكلمون خلال الممارسة، حينها قد ينشأ فانتازم متبادل أو غير متبادل تكمن خطورته في تطبيق هذا الكلام. وقد يكون هناك إذن من المرأة أو الرجل بالخيانة، وهذا ما يُعتبر كذلك من الفانتازم الذي لا حدود له، والمطلوب من الإنسان نفسه رسم هذه الحدود.

[ أيضاً ثمة نساء عنيفات في الممارسة الجنسية، ما هي دوافعهن؟

ـ صحيح، وهذا يعود الى التربية الجنسية، فإن لم تكن موجودة لديها هذه التربية ومن ثم تكتشف أنها ترغب بالعنف خلال الممارسة، فربما تكون في مرحلة الطفولة قد تعرّضت للضرب أو كان الحرمان الذي عاشته كبيراً، أو قد تكون طاقتها الجنسية كبيرة جداً... العنف في الجنس مختلف لدى الجنسين، إذ من المتعارف عليه أن المرأة تمثل الأنوثة، وإلا لن تكون امرأة، والرجل يمثل الرجولة والقوة. ولفهمها بشكل جيد يجب أن ندرس الرجل بعمق أكبر والعكس صحيح، لهذا يتكامل كلٌّ منهما. ويستحيل أن يكونا معاً من الفئة نفسها، بل المفروض أن يكونا سالباً وموجباً. لكن أن تتخطى المرأة ذاتها وصولاً إلى العنف فهذا ممكن، شرط حفاظها على أنوثتها. أما أن تكون عنيفة بشكل إيجابي وبالمعنى الذكوري للكلمة فهذا غير مقبول، لأننا في هذه الحال ندخل إلى الانحراف.

[ وممانعة المرأة في الاستجابة للعلاقة الحميمة سواء أكانت الزوجة أو غيرها، هل يؤدي إلى عنف خلالها؟

ـ هذا يعود إلى شخصية كل فرد. إذا كنا مع أناس طبيعيين، على أن نضع تعبير «طبيعيين» بين هلالين، ذلك أن تفسيره أمر خاضع للجدل. فليس من إنسان طبيعي، نحن حيال إنسان صحي، وآخر مريض. حتى الأصحاء نفسياً، وهم لحسن الحظ يشكّلون الشريحة الكبيرة في مجتمعاتنا جميعها وعلى صعيد العالم ككل، ففي حال تمت مواجهة الرجل بالرفض فهو سيحاول حتى وإن استخدم بعض العنف، لكن الصد ينعكس على حالته النفسية، ويصبح غير قادر على الممارسة. ومن لديه تركيبة عنيفة في شخصيته، فهذا لا شك سيعرّض المرأة التي تصده للعنف. فالجنس حالتان: الجنس الحيواني، والآخر التعاملي أو التبادلي الذي ينطلق من الإحساس والمشاعر وإلى غير ذلك. والإنسان الذي يحمل شخصية غير ناضجة وعنيفة، يكون الجنس في اعتباره حيوانياً ومعناه هنا أن تخلو الممارسة من المشاعر والأحاسيس، وتبادل الأفكار والآراء والإعجاب، فالحيوان بمجرد أن يرى أنثى من جنسه يقفز عليها.

[ في الغالب الزوجة تتعب من إدارة شؤون المنزل والأطفال طوال اليوم، وبالتالي قد ترفض ممارسة الجنس مساءً. فهل يعتبر قيام الزوج بفعل الجنس دون رضاها عنفاً؟

ـ إذا تمت العلاقة ضد إرادتها، ففي الحد الأدنى هي عنف معنوي.

[ ثمة تقارير تقول إن الأزواج يطلبون من زوجاتهم الممانعة والصد لتغيير روتين الحياة الجنسية. هل يؤدي ذلك فعلاً إلى تغيير؟

ـ صحيح. لا يمكن للعلاقة الجنسية أن تكون تامة بالمعنى التفاهمي الضمني والعلني بين المرأة والرجل سوى بوجود التناغم في الأفكار والمبادئ، وهذا ما يسمى بقمة الإيجابية في العلاقة. وقد يتخلل هذا التناغم أشياء عدة، منها محاولة تطبيق الفانتازمات أو الهوامات التي سبق الحديث عنها. وكما للرجل هوامات كذلك للمرأة. مع زوجته يتمكن من القيام بما يريد سوى الأمور المحرّمة، لكن هناك أشخاصاً يتخطون الحدود. إنما بتفاهم الزوجين، ومع اجتماع الفانتازمات وتقاطعها في ما بينهما فلمَ لا؟ عندها يمكن للرجل أن يطلب ما يريده من زوجته شرط قبولها. وإن رفضت عليه الموافقة ما دام التناغم موجوداً بينهما، وهذا ما يمكن اعتباره من أنجح العلاقات الجنسية بين رجل وامرأة. وبغير ذلك تتخللها مشكلة ما، أي أن لكل منهما فانتازمات خاصة به ولا يجرؤ على مصارحة الآخر بها. منهم من يغمض عينيه ويفكر بامرأة أخرى أو العكس... وهذا غير صحي. الوصول إلى التناغم بين المرأة والرجل عبر المصارحة يؤدي الى علاقة جنسية مريحة للاثنين معاً. وبوجود علاقة جنسية جيدة وتناغمية تخف نسبة الخيانات الزوجية.

[ تعرّض المرأة بشكل دائم للعنف في الممارسة الجنسية، هل يغيّر علاقتها مع نفسها وجسدها؟

ـ طبعاً. أول آثار الممارسة عنوةً مع الزوجة يؤدي بها إلى التجمد والتثلج الجنسي، فيصبح الجنس بالنسبة إليها حالة وظيفية، ومن ثم تكره الرجال بشكل عام.

[ الإرهابيون الذين نشاهدهم على الشاشات يقتلون ويقطعون الرؤوس، هل هم عنفيون كذلك في الممارسة الجنسية؟

ـ بكل تأكيد ولأسباب عدة. أولاً حالة العنف التي يعيشونها ويمارسونها في القتل، فبمجرد أن يقتل إنساناً آخر بيده كمثل الإعدام بالمسدس وعن قرب، فهذا يعتبر عنفاً بالغاً. فكيف الأمر مع الذبح؟ أكيد ليس الجميع إرهابيين، أو يملكون القدرة على قتل الناس هكذا وجهاً لوجه بالمسدس، لكنهم يقاتلون في المعارك، وهذا أمر مختلف. من يقوم بفعل القتل وجهاً لوجه والذبح، لا شك بأن حالته تنعكس بشكل عام على حياته الجنسية. ثمة دراسات تمّ التحقق من صحتها تقول إن أكثرية هؤلاء العنفيين الإرهابيين أصلاً غير قادرين على ممارسة الجنس. هم عاجزون جنسياً بالمعنى النفسي وليس التقني. أما موضوع الإثارة الجنسية بالمعنى العاطفي والإحساسي الكمي وكذلك الهوامات، فهي معدومة لديهم. نطلق عليهم تعريف «منحرفين»، حيث تنحرف هواماتهم، وكل ما لديهم من الأداء الإيجابي ينحرف نحو السيّئ من قتل وذبح وأذى للناس ودمار. أساس الجنس هو الحنان والعاطفة في حين أن هؤلاء الإرهابيين مجرّدون منهما.

[ عندما يكثر الموت من حولنا، هل يحارب الرجل أو المرأة هذا الواقع بالجنس؟

ـ أكيد لا. لم تثبت أي دراسة ذلك. ثمة باحث ياباني أجرى دراسة على جماعة «الياكوزا» الذين عرفوا بعنفهم في اليابان ولم يصل لتأكيد ما ذكرت. الجنس هو حالة إنسانية تعاطفية وإيجابية بكافة وجوهها، باستثناء أولئك الذين يعملون مع الأموات، حيث يختلف الأمر معهم، فهم يتعاملون مع الأموات بشكل تقني وعملاني، وحياتهم بعيداً عن المهنة مختلفة ومنفصلة. أما في حالات الموت العام، فكل ملذات الحياة وما يسمى بالليبيدو تهبط. وهذا يعني أن كلاً من الرجل والمرأة لا يحاربان حالات الموت بالجنس، بل الواقع يكون معاكساً.

[ أين تقع المازوشية والسادية في إطار العنف الجنسي؟

ـ هذا ما سبق التحذير منه، فللفانتازم حدوده. فالسادي هو من يعطي الأمر، ويحب القسوة والضرب، ومن يتلقى هذا الفعل هو المازوشي الذي يخضع للهوامات. نحن مع فاعل ومفعول به. وهذا يعود للتربية وإلى تاريخ مرتبط بالطفولة. وبوصول الفانتازم إلى هذه المرحلة يجب وضع حدود له، لأنه في مثل هذه الحال يقع في خانة الانحراف.

[ مشاهدة أفلام البورنو هل تؤدي إلى هذا العنف؟

ـ ليس ضرورياً. إذا كانت البنى التحتية النفسية للفرد مهيأة لهذا العنف فسيكون، وإن لم تكن، فلا عنف جنسي.

[ هل من عنف مقبول وآخر مرفوض؟ أي هل هناك نسبية فيه؟

ـ العنف هو العنف سواء أكان معنوياً أم جسدياً. ولا شك بوجود درجات له، فهناك عنف يؤثر معنوياً على الإنسان، وكذلك على صعيد الإحساس والمشاعر، وآخر يخلّف أثراً جسدياً ومعنوياً معاً. ويوجد عنف ثالث يخلّف أثراً بالمعنى الأدائي للإنسان، بحيث يصبح عاجزاً عن القيام بواجبه اليومي لأنه متأثر بالعنف. وهذا يتطلب إخراجاً من الحالة السلبية عبر علاجات نفسية.

[ في النهاية هل من علاج؟

ـ كل ما سبق ذكره، نؤكد حياله بأن التحضير للتنشئة في نهايات عمر المراهقة وبدايات عمر النضوج لا شك سيقي الشباب (ذكوراً وإناثاً) من الوصول إلى مرحلة الانحراف الجنسي. من شأن التنشئة السليمة أن تعمل للتخفيف من الظواهر غير المألوفة.

 

حاورته: زهرة مرعي

Comments