Post Image

عوامل الرضا


الثلاثاء 2015/11/03

دعونا نرى إذا كنا قادرين الى التوصل لحالة من الرضا مع أننا نعيش في عالم مادي وكل الوقت الرغبات تتضاعف ولكن هناك أمل بالاحساس بالرضا. هناك ثلاثة عناصر للرضا:  الرضا هو الرضا عن الذات والرضا في علاقاتي مع الآخرين والرضا في علاقتي مع الله. من المؤكد بأنني سأكون بحالة من الرضا مع الآخرين عندما يكونوا هم أيضاً راضيين عني. أذا نظرنا الى الوضع الاجمالي في أيامنا هذه سنرى أن الماديات والهدر والتسوق قد أصبحوا قطعة من يومنا حتى أن الصغار لديهم كل الوقت رغبات وكل يوم بعد يوم رغباتهم يتكاثرون يكفي أن يشاهدوا شيئاً على التلفاز ليرغبوا به.

نحن اليوم نعيش في عالم أساسه الإعلام. نرى الاعلانات على الطرقات او نسمعهم من خلال الراديو أو التلفاز ومن عدة وسائل أخرى كلهم هدفهم أن يوقظوا الرغبات عند الانسان حتى تصل الى مرحلة تشعر فيها أنك تريد هذا وذلك الشيء وتريد أكثر وأكثر. الحقيقة هي أنه من الصعب جداً الإحساس بالسلام أو بالسعادة إذا لم يكن لدي شيئاً من الرضا. أمضي كل وقتي في صراع لتلبية رغباتي ورغبات من هم حولي مما يصبح من المستحيل أن أجعل عقلي هادىء وثابت حتى أستطيع أن أفكر بوضوح وأتحرك بالطريقة الصحيحة. في حالة عدم الرضا وهي اليوم قد أصبحت حالة عالمية وأضحت كثقافة للوم الآخرين أو الله على طروفنا وفي كل مشهد من الحياة سأجد شيئاً أو أحداً لأشتكي منه. الدرس الأول في الروحانيات هو أنني أنا المسؤول عن الافكار التي تدور في عقلي وأنا المسؤول عن حالة عالمي الداخلي مما يعنى أننى أنا المسؤول عن عواطفي ومشاعري وأنا المسؤول عن وضعي الحالي. من الممكن بعد أن تقرأ هذا التصريح قد تقول في  نفسك : "هذا كثير علي" ولكن للأسف ليس هناك أي سبب آخر. في الحياة هناك دائماً فعل وردة فعل ومهما كان الفعل سأتلقى ردة هذا الفعل. قانون الكارما أي قانون فسلفة الأفعال يقول لي أنه من الممكن أن لا أحبذ ردة الفعل ولكن علي تقبل المسؤولية ويقول لي بأنني أنا من يخلق عالمه الداخلي وأنا قد خلقت عالمي الخارجي. الوصول الى حالة الرضا لا تعني كم أملك من المال والممتلكات أو كم أتمنى أن أملك هذه الأشياء أو أكتب لائحة بالأشياء التي يجب أن تكون لدي وهذه اللائحة لن تنتهي أبداً. تذكر عندما كنت صغيراً؛ كنت تفكر بأنك إذا امتلكت دراجة هوائية هذا يعنى أنك امتلكت الجنة! كنت تفكر بأن الدراجة الهوائية هي كل شيء.  وأتى اليوم ووالدك اشترى لك هذه الدراجة الهوائية ولكن ما الذي حصل بعد ذلك؟ بعد إختبار الدراجة الهوائية الآن تريد دراجة نارية.

إعتقدت بأنك قد اكتفيت بالدراجة النارية ولكن لا. لأن الرغبة الآتية ستكون أريد سيارة وبعد السيارة أريد سيارة أجمل وأكثر راحة وأكبر. كلما أشبعت رغباتك كلما تلك الرغبات تزايدت بسرعة وأصبحت أكبر وأكبر. نفس الشيء ينطبق على المثل الآتي: أريد غرفة صغيرة لي ومن بعد الحصول على الغرفة سأريد بيت ذو عدة غرف. فليس هناك حدود للرغبات. كيف أستطيع أن ارى الاشياء من منظور آخر؟ علي أن أفهم أن كل شيء أملكه هو هدية من الله ومن الطبيعة ومن القدر ومن الحياة. الله يعرف تماماً ما تحتاجه وسوف يعطيك إياه. أذا كنت أسلك الطريق الصحيح وإذا كانت أفعالي متماشية مع قانون الكارما ومع نظرة الله لي؛ فمن المؤكد أن كل شيء احتاجه سأحصل عليه. غاندي كان يقول: "هناك فائض في العالم لتغطية احتياجات كل واحد منا ولكن ليس هناك فائض لتغطية طمع كل واحد منا." والظروف اليوم هي أكبر برهان على هذا. فموارد كوكب الأرض قليل من الناس يحصلون عليها وأكثرية البشر هم في حالة حرمان. قد لا استطيع أن أغير أوضاع العالم ولكنني أستطيع تغيير نظرتي وأسلوبي للظروف التي تحيطني. وعندها يمكنني أن أتبرع بنقطة صغيرة في تغيير مشاكل العالم ولكن لابدأ بنفسي أولاً. لأستعمل البساطة في حياتي وأسأل نفسي: ماذا أحتاج حقاً وليس ماذا أريد. سأرى عندها بأنني أحصل على أحتياجاتي الاساسية وهي ليست كثيرة.

الاكثرية من العالم يحصلون على ما يحتاجون. علي خلق وعي الرضا والقناعة في ذاتي وعلي تقدير ما عندي. في الكثير من الأحيان لا ننظر الى ما نملك ولكننا ننظر الى ما يملكه الآخرون؛ وفي حال تركيز نظري الى الخارج فمن المؤكد بأنني سأرغب بهذا وذلك ولكن إذا نظرت الى ما أملكه سأبدأ بالإحساس بالرضا. هناك عامل آخر أيضاً وهو النظر الى ما يملكه غيري ولكنني لا ارى المجهود الذي فعله ليحصل على ما يملكه. مثلاً : إذا نظرت الى حديقة الجار المليئة بالورود والاشجار المثمرة سأقول في نفسي "ليت حديقتي كحديقته". عندما كان الجار يهتم بحديقته وينظفها ويسقي الاشجار والورود ويقطلع الأوراق اليابسة ويهتم بالبذور يومياً؛ أنا لم أكن متهم بهذا النوع من العمل. عندما كنت جالس بكسل ومسترخي على الكنبة؛ في هذا الوقت جاري كان يفلح الحديقة. المشكل هو أننا لا نتذكر هذا الشيء ولكننا نرى النتيجة الجميلة فقط لحديقة الجار ولكن في الواقع هناك جهد كبير قد حصل للوصول الى هذه النتيجة. من اليوم إذا بدأت أعمل بجهد لأي هدف قد أضعه في حياتي من المؤكد بأنني سأحصل على نتيجة جيدة أيضاً. الرضا هو إذا كنت صادقاً بالجهد الذي أفعله فالنتيجة ستكون صحيحة. لن أقول ليس هناك عدل أو مساوات في الدنيا. الجهد والنتيجة؛  هناك قانون كوني في الدنيا سيتأكد أن تكون النتيجة على مقدار الجهد الذي فعلته. لأتوصل الى حالة الرضا مع ذاتي علي العمل على رغباتي وعلي تقدير الهدايا المعطاة لي من الله والطبيعة وليكن لدي شعور داخلي بالشكر وسأشعر بالقناعة والسعادة. إذا كتبت لائحة اليوم بالهدايا المعطاة لي من قبل الله ليس فيما ارغب به ولكن بما إياه يعطيني الله يوم بعد يوم ؛ دعني أشكر الله على كل شيء أعطاني اياه من الوقت الذي ولدت فيه وحتى الآن. إذا كنت أشتكي بأنني لا أملك بعض الاشياء المعينة علي النظر الى غيري حيث أنهم لا يملكون أي شيء مما أملكه وعذابهم أقوى من عذابي. ومن وجهة نظر أخرى إذا قدرت ما يعطيني الله سأشعر بحس تقدير الجميل وسوف أشعر بالقناعة التي تجعل السعادة تنمو في نفسي. فالرضا مع نفسي يأتي أولاً من التقدير ؛ ليس فقط تقدير الاشياء المادية التي أملكها ولكن دعني أقدر أيضاَ المواهب والمهارات المعطاة لي من الله والطبيعة والكون وعندما أبدأ بتقدير هذه الهدايا سأبدأ بإستخدامها واشاركها مع الآخرين وهذا سوف يملؤني بالبركة من الله ومن  الناس وهذه البركة ستكون مفيدة لي في المستقبل. الرضا يأتي أيضاً عندما أعرف بأنني أنا كاتب وخالق قدري. إذا القدر هو صورة فأنا الممسك بالقلم وأنا الذي يرسم هذه الصورة بيدي. في هذه اللحظة الطريقة التي استعمل فيها كل شيء أملكه ستخلق قدري. أستطيع أن أكون راضي عندما أفهم بأن قدري هو بيدي وأنا أختار ما أريد لمستقبلي. كيف أستطيع أن أكون راضي مع العالم حولي؟ أحياناُ نقول "إذا هذا الشخص يختفي من حياتي ستكون حياتي مريحة وسعيدة" ولكننا ننسى أن هذا الشخص قد جاء في حياتي ليعلمني درساً معيناً وإذا لم يكن هذا الانسان في حياتي فإنني لن أتعلم هذا الدرس وستصبح حياتي أصعب وأصعب. دعني أقدر هذا الشخص الذي يزعجني لأنه كلما كثر ازعاجه لي كلما أصبحت أقوى وكلما تقدمت بحياتي الروحية. من المعقول أن أرى الجمال في كل انسان وأن أرى ميزات كل شخص عندما أركز نظري على صفاته وعلى مواهبه وعلى الاشياء التي يستطيع فعلها وأنا لا أستطيع فعلها. علي تقدير هذا الشخص ومن هنا سأشعر بالرضا معه. هذا التقدير العفوي ومن القلب سوف يعمل ردة فعل عند هذا الشخص وسيشعر بالرضا تجاهي أيضاً. هناك أيضاً التواضع. فالناس عندما يشعرون بالكبرياء من جهتي لن يشعروا بالراحة معي وسأخلق العديد من المشاكل. ولكن إذا كنت احترم ذاتي ستكون معاملتي لهم بنفس هذا الاحترام حتى إن لم يكونوا أهلاً بهذا الاحترام  علي فقط النظر الى الصفات الاصلية لكل روح بالرغم من أن أعمالهم ليست جيدة ؛ دعني أبقي كرامتي وأعطيهم الاحترام اللازم. فإحترام ذاتي وتواضعي يجعلوني احترمهم وهذا سيخلق جو من الرضا. أحياناً لا نقدر ولا نحترم وقت ومواهب وطاقة الآخرين؛ عندها علاقاتنا ستنهوي وسوف نبني حائط تلو الآخر ليصبح بيننا سور كبير ولن يكون هناك أي شيء اسمه رضا. إذا اردت أن افرح في حياتي لن ترضيني العزلة عن العالم ؛ علي أن أكون بحالة رضا بعلاقاتي مع الناس والمفتاح الاساسي لهذا هو التواضع. بخصوص الرضا مع العالم من حولي علي أن أسأل نفس: "هل أنا شخص يأخذ أو شخص يعطي؟" "كم أعطي وكم آخذ؟" الكثير من الأحيان لا نرى هذا الحساب ؛ هذا يعني بأنني آخذ أكثر بكثير مما أعطي وسأكون بحالة دين والعالم من حولي لن يكونوا مرتاحين معي. ربما وقتهم أو طاقتهم أو دعمهم وتعاونهم ؛ إذا كل الوقت "أريد وأريد" فلن يشعروا بالرضا عني. كيف استطيع تغيير هذ الشيء؟  بالوعي الذي نحن عليه اليوم  من الصعب جداً لأنه لدينا رغبات لدرجة أن كل الوقت نريد أن نأخذ من غيرنا. المعرفة الروحية للرجا يوغا تعلمني أنه إذا نميت علاقتي مع الله سوف أستطيع أن آخذ كل شيء أريده منه لدرجة غير متناهية. سوف آخذ ما أتمنى ولن أحتاج أن آخذ من الناس حولي ولكن سأعطيهم. الناس سوف يشعرون بالكثير من الرضا إذا أعطيتهم شيئاً وإن لم يرضوا عني على الأقل لأكون الشخص الذي يعطي وليس الشخص الذي يأخذ. دعني أشارك كل الجواهر التي آخذها من الله فهذا سيجلب الرضا من حولي. كيف أستطيع أن أضمن بأن الله راضي عني؟ أول شيء علي أن أفهم ما هي تعليمات الله لحياتي كإنسان ؛ علي أن أفهم قانون الكارما (قانون فلسفة الافعال وهو كل فعل لديه نفس ردة الفعل) ولأستطيع أن أتبع هذا القانون في حياتي من المؤكد أنه يتطلب القليل من الانضباط. فالانضباط لا يؤذي ؛ دعني اتبع قوانين الله بحب ومن قلبي. لن أتبع أي قانون بالقوة ولكن بحب لأنني أعرف بأن هذا سيجعل الله سعيداً وسيجعل حياتي تتحسن وسأتقدم الى الامام. العامل الثاني ليكون الله راضي عني هو الصدق. إذا كان لدي الادراك الواضح والنظيف سوف أتأكد بأن صدقي بعلاقتي مع الله نقية وقوية وبهذه العلاقة الصادقة مع الرب سأعرف بأن الروح الأسمى أبي وأمي راضي عني. أشعر بالرضا مع نفسي عندما أعرف بأنني أمشي بالطريق الصحيح والرضا مع غيري سيأتي من خلال الاحترام والتواضع وصدقي بعلاقتي مع الله سيجذب رضاه عني. أذا وضعت انتباهي على هذه  العوامل الثلاثة للرضا ؛ هذا يعني بأنني مستقر وبالإستقرار أستطيع التقدم الى الامام في كل مجالات حياتي. إذا كانت دواليب السيارة الاربعة غير ثابتة ؛ السيارة لن تستطيع التحرك الى الامام. فالاستقرار لا يعني الجمود ولكنه يعني أن أملك القدرة والقوة على التقدم الى الامام وبسرعة. الرضا يعني أن أخلق استقرار. هدفي هو أمامي وأعرف تماماً بأنني لم أصل اليه بعد ولكنني أتحرك الى الامام برضا فهذا يعني بأنني لن أخلق صعوبات من حولي لأحقق هدفي. قلة الرضا تعني خلق جو غير جميل أينما ذهبت. الرضا يعني راحة النفس وراحة الآخرين معي. دعونا نختبر لدقائق بالتأمل حالة الرضا والسعادة:

أجلس بهدوء واركز على نقطة النور في وسط الجبين... بكامل ادراكي أشعر بالكائن الروحاني؛ الكائن النوراني... هذه أنا الروح؛ أفكاري تتباطىء واشعر بمساحات صمت بين الفكرة والاخرى... ومساحات الصمت تكبر أكثر والافكار تتباطأ اكثر وأكثر ... وفي لحظة أتجسد هذا الصمت الروحاني واشعر بنفسي النورانية وثقل الوعي الجسماني يتلاشى ... وبهذا الوعي الاصلي والسامي أشعر بالانجذاب الى بيتي الاصلي؛ بيت الروح؛ بيت السكون حيث الله الروح الأسمى يسكن ... الله نقطة نورانية ... كامل القوى ... حب الله كالمحيط ... أشعر بأنني نقطة صغيرة في هذا المحيط المليء بالحب والفرح .... أملىء نفسي من هذا المحيط ... الله يعرفني جيداً ويعرف ما أحتاج فأبقى بصمت كامل أمامه وأتشرب حبه وقوته فالله يعرف تماماً بأنني رغبت في التقرب منه منذ زمن بعيد ... وبهذا اللقاء الصامت الله يعطيني أكثر مما أريد ... أشعر بجواهر السعادة والمحبة والحكمة وبهذه الحالة أشعر بكامل الرضا وحب وفرح الله يصلون الى كل البشر في جميع الجهات ... وبهذا التواصل وبالاحساس بالرضا أعود الى الوعي لمسرح العالم ولكن هذه المرة مليء بحب وفرح من الله واشارك كل ما استشعرت بلقائي مع الله مع غيري.

تأمل الراجا يوغا

ريتا مسلم

Comments