Post Image

نادين ضاهر: الإتيكيت ليست مجرّد رفاهية!


الجمعة 2014/11/07

نادين ضاهر كونراد، سيدة لبنانية المولد والمنشأ وعالمية الانتماء. كاتبة، شاعرة، مثقفة وفنانة. وإلى جانب ذلك، اختصاصية في الإتيكيت الدولية ومستشارة للصورة الشخصية. وهي اليوم تُعد لإصدار كتاب باللغة العربية يتناول الإتيكيت بطريقة جديدة، ويضيء على نشأة هذا الفن ومعانيه وتطوره عبر العصور، واختلاف «طقوسه» بين دولة وأخرى. أما هدفها من ذلك، فمساعدة الناس، بمستوياتهم المختلفة، على التعرف إلى أسس التصرف السليم في مجتمعهم والبيئات الأخرى... معها كان هذا اللقاء حول أهمية الإتيكيت في الحياة اليومية.

 

بعد تخرّجها من الجامعة، تابعت دروساً متخصصة في لندن في المعهد لاستشارة الصورة Image Consulting، ثم بدأت مسيرتها المهنية انطلاقاً من إسبانيا وسويسرا، موطن زوجها الدبلوماسي، وصولاً إلى لبنان. وقد وضعت برامج عدة لتحسين الصورة على الصعيدين الفردي والمؤسساتي، وتفعيل القدرة على التواصل والظهور الإعلامي والعلني، وأخرى  في الإتيكيت والبروتوكول الدولي. في البداية سألناها:


[ هل الإتيكيت مفهوم غربي بحت، وكيف يمكن تطبيقه في المجتمعات العربية؟


ـ إنها كلمة قد توحي للبعض بأنها تقليد غربي، أو حكر على طبقة اجتماعية معينة، أو مرتبطة بوظائف رسمية محددة. لكن في إعادة قراءة للمفاهيم المبدئية لها، نجد أنها تقوم بشكل أساسي على احترام النفس والآخر، وعلى الأخلاق والذوق والكياسة وحسن الضيافة ورقي السلوك، وهي مبادئ تُجمع عليها مختلف الأديان والحضارات والتقاليد. أما بالنسبة إلى العرب، فقد كانوا السبّاقين في رفع بيارق العلم والمعرفة، وقد سطعت شمس علومهم ومعارفهم وأنارت جميع العقول في العالم. كما سبقوا غيرهم من المجتمعات في وضع قواعد في آداب السلوك، وهذا المضمار يُعد دليلاً على حضارة الشعوب ورقيّها. أما تطبيق المفاهيم الأساسية للإتيكيت واتّباعها بشكل يومي في حياتنا ومجتمعاتنا، فيخففان عنا الكثير من سوء التصرف، ويوفران علينا إضاعة الفرص في مختلف الصعد، وخاصة مهنياً.


[ ما دور الإتيكيت في حياتنا اليومية، وكم نحن في حاجة إليها؟


ـ هي ليست مجرد رفاهية، بل أداة مهمة للانخراط في المجتمع، وخاصة أنها تهدف إلى تحسين سلوك الإنسان والارتقاء به وإتقان فن حسن التصرف والتمرس على التهذيب واللباقة، ما يساعدنا على التكيف مع جميع المواقف التي تصادفنا والخروج من المحرجة منها بأقل خسارة معنوية ممكنة. كما تجعل علاقات الناس مع محيطهم مريحة وسلسة. إنها طريقة عيش سليمة، نبدأ بها مع أنفسنا، ثم مع الآخرين، من خلال تعامل راقٍ وبنّاء، شخصياً واجتماعياً وسياسياً.


[ ألا يصعب تطبيق مبادئها الصارمة في الحياة اليومية؟


ـ لقد تطورت قواعد الإتيكيت وتبدلت مع نمو المجتمعات، وصارت اليوم أقل تعقيداً وأكثر مرونة من السابق، ولم تعد حكراً على أبناء الذوات أو أصحاب الثروات، بل باتت «شيفرة» للتصرف اللبق والكياسة بين أشخاص ينتمون إلى جميع الطبقات والأعمار. فهي ليست مجموعة من الأفكار الصارمة التي تقيّد حرية الفرد، بل خريطة إرشادية لمراعاة الآخرين وحسن التعاطي معهم. كما أنها لم تعد تمثل عادات قديمة بالية ولا زائفة. لكن برغم ما طرأ واستجد من تطور في أساليب تطبيقها، لا تزال مبادئها ذاتها، وتتلخص في احترام النفس والآخر. وهذه في النهاية قناعات تنبع من داخل الإنسان، ولا تُفرض عليه.


[ لماذا يوحي البعض ممن يغالون في الالتزام بها، بالتعالي والفوقية؟


ـ ما يُعرف بالـ Snobisme، أو التعالي وادّعاء النبل، يتعارض تماماً مع مبدأ الإتيكيت. فالتواضع والبساطة أهم مبادئها، لكن ضمن إطار الثقة بالنفس والصراحة والوضوح والبعد عن الحياء المصطنع أو التردد في عرض الأفكار. فالبساطة من الأمور المحبّبة عند الناس، وكذلك الصدق والكياسة. وهذه الصفات تدل على تطور الشخص الفكري ونبله. لذا، يمكن القول إنه كلما ارتقى الإنسان فكرياً صار عدم التصنّع والتكلف في اتباع أصول الإتيكيت عنده من المسلّمات الفكرية التي يرسخها الوعي والتجارب، إلى جانب مكتسبات التربية السرية.


[ ما الفرق بينها وبين والبروتوكول؟


ـ الإتيكيت تنظم أصول التعامل بين الأفراد، بينما البروتوكول يتعلق بكيفية أصول التعامل بين المسؤولين الرسميين ومن يمثلون، على اختلاف رتبهم، وكذلك القواعد المتبعة لتنظيم الاحتفالات والمعاملات التي تربط الفرد بالمؤسسات الرسمية. وهو إلزامي ينبغي تنفيذ بنوده بحذافيرها، بينما يمكن القول إن آداب السلوك أمر عفوي تُمليه طيبة الإنسان وذوقه ولباقته. فالبروتوكول «حق مكتسب» يتعلمه المرء ويصبح قاعدة إجبارية، تسير وفقها جميع تعاملاته الرسمية.


[ ما هي النتائج المترتبة عن إهمال التقيد بمبادئ الإتيكيت؟


ـ لكل إنسان حرية اختيار سلوكه. فهو ليس مجرد دمية يحرّكها الآخرون. لكن هذا لا يعني أن له  الحرية المطلقة في التصرف السيئ، لأنه بذلك يؤذي نفسه والآخرين، ويزعزع أسس العلاقة السوية بين الناس، ويؤدي بصاحبه إلى الندم، بينما اللباقة تولّد لديه ثقة بالنفس، وقناعة راسخة بأنه قام بما يُرضي ضميره، ويحافظ على حب الناس واحترامهم له. فالحياة العامة والود المتبادل أساسهما حسن التعاطي واحترام بعضنا البعض والقيام بما يُرضي الآخر ولا يزعجه.


[ ما هي واجباتنا تجاه أنفسنا؟


ـ احترام الذات هو أساس الإتيكيت وجميع مبادئ الحياة العامة، وهو المنطلق لكل ما هو سامٍ ونبيل، ومصدر تقدير الآخرين. وهو يعني صون النفس مما يؤذيها ويضايقها، واحترامها وعدم إذلالها لأي سبب كان، وكذلك المحافظة على الجسم والعناية به. وإذا كان الودّ تجاه الآخرين يتطلب منا احترامهم ومراعاتهم والبعد عن كل ما يزعجهم ويضرّ بهم، فكيف إذاً بمودة الذات... ألا تتطلب التصرفات ذاتها؟

 

 

 

للتحية ابتكارات... و«جنسيات»!

لكل شعب عاداته الخاصة به في التحية، توارث أو ابتكر أساليب متنوعة لها، تختلف باختلاف المجتمعات ذاتها. ومن أبرزها:
< المصافحة: الأكثر شيوعاً، وهي تحية ثنائية ذات «مراسيم» بسيطة. إنها معانقة لليدين تدل على المحبة والاحترام، ومتى ترافقت بهز اليدين تعني الحرارة في التعبير عنها.
< حب الخشم: تحية تقوم على ضربات خفيفة على الأنف لا تزيد على ثلاث، ويمكن الصغير في السن أو المقام أن يقوم بتقبيل أنف من يكبره فيهما. وهي معروفة في شبه الجزيرة العربية، لكنها ليست حكراً على سكان هذه المنطقة، بل يتّبعونها في الإسكيمو أيضاً ولدى السكان الأصليين في أميركا الجنوبية وأستراليا ونيوزلندا.
< تقبيل الخدين: تعبير عن المودة والصداقة. وينمّ عن مشاعر دافئة، قد تكون للتهنئة أو التعزية أو التشجيع. في أوروبا، لا يقوم رجلان بتبادل هذا النوع من التحية، بينما الأمر شائع ومقبول في أميركا والدول العربية.
< القبلة الطائرة: لا تدخل في إطار الإتيكيت، وتقوم على إرسال قبلة عبر اليد نحو الآخر. وتدل على محبة متبادلة.
< المعانقة: شكل من الحميمية الجسدية، وهي الأكثر تعبيراً عن العاطفة والود، ويقوم بها الأناس المقربون جداً.
< رفع القبعة: تحية غربية المنشأ، عُرفت منذ القرون الوسطى، يقوم بها أشخاص لتحية من يفوقونهم مستوى. واليوم استُبدلت بالإمساك بحافة القبعة لثانية أو ثانيتين. ويمكن للرياضيين أن يؤدوها تحية للجمهور.
< تقبيل اليدين: طريقة ملائمة للتقدير والتبجيل، وقد يقوم الرجال بتقبيل أيدي النساء دلالة على الاحترام في الدول الغربية. ولا بد من الإشارة إلى أمر بالغ الأهمية، وهو أن من لم يتعلم أصول هذه التحية جيداً، فعليه الامتناع عن القيام بها. وعند العرب، يمارسها الأبناء تجاه آبائهم للإشارة إلى الاحترام والبِر بالوالدين.
< الانحناء: تحية احترام، قد تكون ذات طابع ديني فتأتي من طرف واحد. تحمل معاني التبجيل والشكر والاعتذار. قديماً كانت معروفة في بلاط الملوك وبين الطبقات الأرستقراطية. تنتشر في شرق آسيا، وتحديداً الصين، كوريا واليابان

Comments