Post Image طفلك

كيف نفسّر الموت


الإثنين 2015/08/31

فدى أبو حسن - سنوب 

يتلقى الطفل العديد من الرسائل المربكة في ما خصّ الوفاة. فبعض الأهل لا يحبون استخدام عبارات مثل «الموت، الوفاة، متوفى... وغيرها»، مستعملين بدلاً عنها مصطلحات أخرى لإخفاء الفكرة ككل ومحاولة حمايته من هذا الواقع. لكن في الحقيقة هذه العبارات الملطّفة تساهم في إرباك عقله، حيث لا يمكننا التكهن بكيفية ربطه المعاني غير الدقيقة للكلمات المختلفة بالواقع الملموس. بالإضافة الى ذلك، هو يتلقى رسائل مختلفة من خلال وسائل الإعلام، كأن تموت الشخصيات الكرتونية وتعود للحياة مرّات عدّة خلال مشاهدته للبرنامج. والأطفال الصغار بالأخص ليسوا قادرين على الفهم أن الموت أمر نهائي ولا عودة منه وأنّ الجميع سيموتون يوماً ما. للوقوف عند هذا الموضوع، كان لنا لقاء مع شانتال شديد اختصاصية في علم النفس العيادي والمرضي.

 إقرأ أيضاً مكامن القوة التي تعزز شخصية أطفالكم الإيجابية

 متى يجب شرح الوفاة للطفل؟

ـ التحدث بصراحة ووضوح عن الموت مهم جداً له، ولسنا بحاجة الى الانتظار حتى يموت شخص ما، خصوصاً حين يبدأ الطفل بالسؤال عن معناه، عندها من المفضل التحدث معه بصراحة لخلق بيئة آمنة تسمح له بطرح الأسئلة والتعبير عن مشاعره، أفكاره ومخاوفه بحرية وراحة. قد يكون الأمر صعباً لأننا لا نملك جميع الأجوبة، لكن من المهم التوضيح له أنه لا توجد طريقة واحدة صحيحة أو خاطئة ليشعر بها، وأن بإمكانه التحدث بحرية مع عائلته عن هذا الموضوع.

 كيف يجب شرح الوفاة للولد في مراحل مختلفة من حياته؟

ـ يختلف أسلوب مناقشة الموت معه وفقاً لعمره وقدرته على استيعاب الموضوع، فكل ولد فريد من نوعه، لكن توجد بعض المبادئ التوجيهية التي يمكن أن نتبعها:

< رؤية الولد للعالم حَرفية جداً حتى سن الـ 5 أو 6 فيميل لاعتبار الوفاة كأمر موقت وقابل للتغيير. كما لديه صعوبة في استيعاب أن الجميع يموتون في النهاية بدون عودة وأن الأمر دائم. لذلك، من المهم استخدام مصطلحات سهلة ومحددة. قد نضطر الى الشرح له أن «الوفاة» تعني توقّف الجسد عن العمل فلم يعد قادراً على الحركة، الأكل أو التنفس. وإذا كان المتوفى مريضاً يمكن القول إن الأطباء عجزوا عن إصلاح الضرر وإيجاد الدواء اللازم لمساعدته، وإن كان عجوزاً نقول إن جسده تعطل ولم يتمكن الأطباء من إصلاحه. وفي حال الوفاة المفاجئة جراء حادث، يمكن إطلاعه على الحقيقة والشرح أنه بسبب هذا الحادث المؤسف والحزين تعطل جسده وتوفي. وحتى بعد الشرح، قد يسأل الطفل عن موعد رجوع المتوفى ومكانه، وهنا من الضروري التشديد له بأنه مات ولا يمكنه العودة، حتى ولو كان تكرار الأمر صعباً ومحبطاً.

< بين سن الـ 6 والـ 10 يبدأ بالفهم أن الموت أمر نهائي، لكن لديه صعوبة في تقبّل أن الجميع يموتون ويظنّ أن الأمر لا يطال أقرباءه، فيعتقد أن جدته مثلاً لن تتوفّى إن أحسن التصرف أو تمنى ذلك. وغالباً ما يربط الولد في هذا العمر الموت بصور مثل شبح أو هيكل عظمي. بكلّ الأحوال سوف يتعامل مع الموضوع بصورة أفضل إذا تلقى تفسيراً دقيقاً، بسيطاً، واضحاً وصادقاً.

< المراهق يستوعب أن الموت حتمي، فتبدأ التساؤلات عنه، عن حيثياته وإمكانيات حصوله. وخلال بحثه عن معنى للموت يستكشف معنى الحياة وقد يشعر بالذنب إن توفي أحد أقرانه. مهما كانت تجاربه وأحاسيسه في هذا الخصوص، أفضل ما يمكننا فعله هو تشجيعه على التعبير عن حزنه ومشاركته إياه.

إقرأ أيضاً الختــان هل هو ضرورة أم لا... ولماذا؟!

 هل يجب الاستعانة بالدين لتفسير الموت للولد؟

ـ الديانة مصدر قوة للعديد من الناس في حالات الحزن، ويمكن الاستعانة بالمراجع التي قد تزوّد الولد بنوع من الراحة إن كان الدين يلعب دوراً في حياته قبل حصول حالة الوفاة، لكن في حال غيابه من حياته اليومية قبل مواجهته فكرة الموت، يستحسن عدم الاستعانة به لأن الأمر قد يكون مقلقاً ومربكاً له، إذ يرتعب إن سمع أن أحد أقربائه مع الله مثلاً مخافة أن يأخذه الله أيضاً، لذا من الضروري استعمال تعابير يمكنه استيعابها. أيضاً تعابير مثل «فلان سعيد في الجنة مع الملائكة» قد تحيّره لأنه سيتساءل لماذا هذا الشخص سعيد وبقية أفراد العائلة حزينون؟ ومن المهم مساعدته على فهم وقائع الموت ومنها الفقدان والحزن، ومحاولة حمايته منها ستحرمه من فرصة التعبير عن مشاعره كي يرتاح. فمشاركة هذه الأحاسيس بين الأهل والطفل ستفيدهما.

 هل يفضل أخذ الطفل الى الجنازة؟

ـ يمكنه المشاركة في طقوس الحداد والجنازة إن أراد، لكن إذا رفض فلا يجب فرض الأمر عليه، بل السماح له بأن يفعل ما يريحه. فإن اختار حضور الجنازة، يجب تحضيره مسبقاً لما سيرى ويسمع قبلها، خلالها وبعدها، والتفسير له إنها مناسبة حزينة جداً حيث البعض قد يبكي ويحزن أو يتصرف بشكل غريب عليه، ويمكن أيضاً إطلاعه على مكان الجثة وأن المتوفى لن يستطيع الرؤية أو السمع، مع مشاركته المعتقدات الروحية ومعنى الحداد الذي سيراه. وإذا شعرنا أن الحزن سيمنعنا من مساعدته خلال الجنازة، يمكن أن يهتم به أحد أفراد العائلة، شرط أن يكون شخصاً نحبه ونثق به وقادراً على تأمين التفسيرات المفيدة له.

هل يفضل تذكير الطفل بالمتوفى؟

ـ الحزن لفقدان العلاقة مع المتوفى يتطلب منه أن يتذكر، يحدد ويسمّي الأشياء التي لن يختبرها معه بعد ذلك. ومن الجوهري مساعدته على الإحساس بالصلة معه والتحدث عن الجوانب المميزة للعلاقة التي خسرها. في ما يلي بعض الوسائل المساعدة:

ـ الاعتراف بأنه لن نتمكن من رؤية المتوفى بعد الآن لكننا قادرون على تذكّره.

ـ السماح للولد بالتحدث عنه وتعداد ما اشتاق إليه فيه.

ـ تشجيع الولد على التفكير بالصفات التي يتقاسمها معه.

ـ تقدير حياة المتوفى وأهميته للعائلة.

ـ الاحتفال بذكراه من خلال تناول طعامه المفضل، إضاءة شمعة أو التأمل في صوره وصور العائلة.

ـ مواصلة التقاليد العائلية وإضافة الجديد إليها مثل التخطيط لمناسبات احتفالية بذكراه، زيارة قبره..

ـ مشاركة الذكريات.

ـ إن كانت التقاليد الدينية جزءاً من حياة العائلة، يمكن إضافتها.

هذه الوسائل تفيد جميع أفراد العائلة وتساعدهم على الشعور برابط مع المتوفى. ومن الضروري أيضاً ملاحظة أن الولد قد يشعر بالغضب أو خيبة الأمل تجاه المتوفى، لذلك من المهم السماح له بالتعبير عن مشاعره ومن الجوهري التأكيد له أن هذه المشاعر طبيعية، فيمكن القول له مثلاً: «أعلم أنك منزعج، أحياناً أنا أشعر هكذا أيضاً».

إقرأ أيضاً اسـتقلالية أولادك... هل تعززينها أم ترفضينها؟!

 ماذا نقول له إن بدأ يقلق من موته أو موت أحد أفراد العائلة؟

ـ يجب طمأنته والقول مثلاً: «لا يمكن لأحد أن يعدك بأنه لن يتوفى، لكن نحن نهتم بصحتنا وأتوقّع أن نعيش معاً لمدة طويلة». قد يخشى أيضاً حين يموت أحد الأبوين مثلاً لأنه لا يعلم من سيعتني به، وهنا من المهم التأكيد له أن العديد من أفراد العائلة يحبّونه ويمكنهم الاعتناء به.

 كيف نفسر له حزن الآخرين؟

ـ يخشى بعض الأهل أن يشهد الولد حزنهم، آلامهم ودموعهم لكن لا يوجد ما يدعو للقلق، بل إن إظهار العواطف يساعده، لذلك يصح الحزن والبكاء أمامه مع شرح السبب، وطمأنته أننا بخير لكننا حزينون والبكاء جزء من التعبير عن مشاعرنا. فالسماح له برؤية ألمنا سيعلّمه أن البكاء هو ردّ فعل طبيعي للألم العاطفي والخسارة، وبهذه الطريقة سوف يتعلم أن يتقبل عواطفه وحزنه وسيشعر بالراحة لمشاركة مشاعره. لكن من المهم نقل رسالة أن الحزن الشديد على خسارة شخص عزيز لا يعيق قدرتنا على تحمّل مسؤولياتنا تجاه الولد وإشعاره بالأمان.

 ما العمل إن بدأ يختبر كوابيس عن الموت؟

ـ معظم الكوابيس تمثل جزءاً طبيعياً من التأقلم مع التغييرات في حياتنا، فهي ليست بالضرورة دليلاً على مشكلة نفسية مرضية بل قد تكون مؤشراً إيجابياً أن الطفل يتعامل بشكل فعّال مع التحدي الجديد أو الحدث الأليم الذي يواجهه. ثمة العديد من الخطوات التي يمكن اتخاذها للحدّ من تعرّضه للكوابيس وهي:

ـ طمأنته: توفير الحضن، البقاء معه لفترة قصيرة من الزمن بعد استيقاظه من الكابوس، على أن ندعه يعود الى النوم في سريره، مع السماح له باحتضان أي غرض يُشعره بالأمان. ترك الضوء شاعلاً وباب غرفته مفتوحاً إن رغب بذلك. وطمأنته أن المنزل آمن وأنكم موجودون فيه.

ـ العودة لمناقشة الكابوس معه أثناء النهار: ومحاولة تحديد أفكاره، التحدث عنها والاستماع الى مخاوفه.

ـ البحث عن وسائل مبتكرة للتغلّب على كوابيسه: مثل ابتكار «نهاية سعيدة» له في اليوم التالي، أو رسم صورة للكابوس المزعج ورميها بعيداً. وغالباً ما تختفي الكوابيس مع تعافي الأسرة والولد من هذه التجربة، لكن في حال تفاقم الوضع وأصبحت مخاوفه معيقة لحياته اليومية يجب الحصول على مساعدة اختصاصي.  

إقرأ أيضاً كيف نسلّحه لمواجهة الحياة؟

 ماذا نفعل حين يموت حيوان أليف؟

ـ كما هي الحال بالنسبة الى الأشخاص يجب أن يكون الشرح واضحاً وصادقاً. فإن كان الحيوان الأليف عجوزاً أو مريضاً يمكن تحضير الطفل مسبقاً لما قد يحصل، أما إن اضطررنا للجوء الى الموت الرحيم فيجب التوضيح أن الطبيب البيطري فعل كل ما بوسعه بلا فائدة وهذه أرحم طريقة لمساعدته من دون ألم. كما يجب إعطاؤه أجوبة عن كل أسئلته ومنحه المعلومات التي يطلبها. قد يجلب بعض الأهل حيواناً أليفاً آخر بسرعة لحماية الطفل من الشعور بالحزن، لكن من الأفضل احترام حاجته للحداد والحزن وترك القرار للأسرة كاملة. وإذا أراد هو الحصول على آخر فوراً، فيمكن الشرح له أن العائلة تحتاج للانتظار بعض الوقت لتوديع المتوفى والتأكد أن جميع أفرادها مستعدّون لذلك. وخلال هذه الفترة يمكن مساعدته على توقع الحدث من خلال اختيار صنف الحيوان الجديد، البدء بالبحث عنه، اختيار اسم له...

 ما هي بعض الأخطاء التي قد تولّد الخوف لدى الطفل بدلاً من مساعدته؟ وما الذي يجب علينا تجنّب قوله له؟

ـ من المهم التوضيح له أن الإنسان الحي لا يمكنه الذهاب الى الجنة والمتوفى لا يمكنه العودة منها، كي لا يعتقد أن الجنة مكان على الأرض وبإمكانه زيارة الميت. وهذه بعض العبارات التي قد تربك الولد ويجب تجنّبها:

ـ «ذهب فلان الى بيت الله»: لأنه سيبحث عنه في أماكن مثل الكنيسة أو الجامع.

ـ «لقد خسرنا فلاناً»: لاعتقاده أنه من الممكن إيجاده أو أننا لم نعتنِ به كما يجب.

ـ «خلد الى النوم»، «ذهب في رحلة»، «ذهب بعيداً»...: هذه العبارات قد تجعل الطفل يخشى من النوم ويخاف كلما ذهب شخص بعيداً.

 إقرأ أيضاً الأهل في مواجهة تحديات المراهقة في كل مراحلها!

أخيراً، من الضروري أن نتقبّل أننا لا نملك كل الأجوبة، ولا بأس إن عرف الولد ذلك. من خلال الصراحة، المشاركة، الاستماع إليه، تأييد مشاعره وأحياناً الاعتماد على المعتقدات الثقافية أو الدينية، يمكن أن نوفّر له الطمأنينة التي يحتاجها.

Image gallery

Comments