Post Image

رحلة التحّول


السبت 2015/07/11

طبيعة الروح هو التعبير عن ذاتها، وبالطبع فإن الجسم هو الوسيلة الرئيسية التي تسمح للروح أن تعبّر. حين نتمسّك بوعي البُعد الروحاني خلال أدائنا لأدوارنا على مسرح العالم المادي، تصبح الحياة بمثابة هدية أو مكافأة حين يرجع علينا مفعول افعالنا المحقة بنتائج مرضية. ولكن عندما نفقد حسّ البعد الروحاني، تصبح النشاطات اليومية عبء علينا ونفقد حسّ الإختراع واللعب. وفي البداية، نحاول التعويض عن هذا الفقدان عن طريق لعب لعبة الحياة بالطريقة الصعبة والتفتيش عن جرعات أكبر لتحفيزنا من خلال الحواس الخمس. وعندما تصبح هذه إستراتيجيتنا للوصول إلى السعادة، فأكيد يصبح ذكر موضوع الله ما يدعي للتثاءب.

ومع ذلك فإن هؤلاء الجاهزون لمعرفة الله عن كثب من خلال التأمل أمامهم رحلة مشوّقة. فالتجربة تكون وكأن شخصية غنية جداً دخلت إلى حياتي، وعلاقتي به جداً منعشة لأنني أرى باستمرار الوجوه المختلفة لشخصية الله تظهر أمامي. وهذا يحفزني دائماً وأنتظر بشغف لما سيظهر أمامي في المرة القادمة.

هيئة الله بسيطة جداً. نقطة نور، لكنها مثل صورة ثلاثية الأبعاد تشمل تسجيل لكل ما هو موجود. وهذا النور يحتوي على مقدار هائل من الخبرة، وحتى إستكشافاتك على مدى الحياة لن توصلك إلى حدود معرفة الله.

وكلما غصت في محيط المعرفة الذي يحويه هذا النور كلّما إكتشفت أكثر وكلّما لاقيت أكثر كنوز من المعرفة والخبرة. إذاً بمجرّد أن تبدأ رحلة الإستكشاف والإكتشاف هذه، فهناك دافع للمتابعة والإستمرار.

وأيضاً وجدت أنه في كل مرة أتواصل فيها مع الله يتحوّل شيء في داخلي. وكأنني ذهبت في رحلة، ولم أعود منها في نفس الحالة التي كنت عليها قبل الذهاب. ومهما كانت مدة الوقت التي أقضيها برفقة الله في التأمل، خمس دقائق أو ساعة، فهناك دائماً حركة وتطوّر.

وأعمق تجربة مع الله هي التي أستشعر بها وكأنها علاقة حب من القلب. وهذا الإتصال خلال التأمل يجلب حسّ التسلية والابداع للبصيرة. وهنا بعض الأمثلة لطرق التفكير بالأسمى التي تساعد العقل والقلب للإتصال بالله ولتقدير الكنوز التي نتلقاها منه بالكامل:

 إقرأ أيضاً سبب السلبية وسبب الايجابية

البستاني      

ما هي أبرز صفات البستاني؟ربما الصبر والمثابرة والرؤية الصحيحة وحس التوازن الجيد. فالبستانيون يعطون النباتات وقت وإنتباه متواصل، ويحرصون على توفير الماء والغذاء ونور الشمس والظلال بجرعات صحيحة وكافية، وصون النباتات من الغرق بالعشب أو التلف بالآفات. وبهذا النوع من العناية، تنمو النباتات بطريقة صحيّة مُثمرة ومُزهرة، وتنبثق بذلك حديقة جميلة بعد أن كانت في السابق غابة أعشاب وشوك.

بنفس الطريقة، فالله يرعى ويصون كل روح إنسان ويغذّيها بصبر ومهارة لإستعادة كامل إمكانياتها. فالله يغمرنا بماء الحقيقة، ويُدفئنا بحبه، ويُرينا كيف نتخلّص من عشب الأفكار المدمرّة، وكيف نحمي أنفسنا من التأثيرات المعاكسة.

فنحن نأتي إلى الله سبحانه كالأشواك، نجرح أنفسنا والآخرين عبر الغضب والطمع والغرور والأنانية التي أصبحت خارج نطاق سيطرتنا. ولكن الله يتقبّلنا كما نحن بلا تعب، بحب، بصبر وبرؤية إيجابية، ويعلّمنا كيف نتحّول إلى حديقة أزهار رائعة.

مع التأمّل والدراسة الروحانية نحصل على أقصى قدر من عناية الله لنا وحمايته وقوته التحويلية. فتسقط الأشواك بعيداً لتنكشف صفاتنا الأصلية مليئةً بالألوهية. ونصبح قادرين على مشاركة الآخرين بعطر وجمال الحقيقة اللذين لا يتوقف سيد الحديقة عن رؤيتهما فينا.

 إقرأ أيضاً التواصل مع الله الروح الاسمى

تأمل

أجلس بهدوء وأوجه أنتباهي إلى الداخل، أفكر بالكائن النوراني، الأسمى، محيط الحب والسلام والطهارة والحكمة والمرح. وفي حضور الأسمى أشعر بالراحة والأمان محاطة بنور الله، وأبقي التواصل مع نوره وكأن حقيقة الله ورحمته تصل إلى جذور كياني وتقوّيني، وبينما أستشعر بدفئ حب الله، ينفتح قلبي، وأصبح قادرة على مشاركة العالم بعطره وجماله.

إقرأ أيضاً جذب نور الله 

الجواهري

تذكُّر الله بأنه الجواهري هو بمثابة دعوة للتطهير الكامل للروح. فالجواهري الحقيقي لا يحب المواد الإصطناعية التي تدخل في الذهب، ولا يريد أن يرى أي شائبة لأنه يعرف أنها ستقلل من قيمة الأحجار الكريمة. ولذلك يقوم بتسخين السبائك المنخفضة الجودة في الفرن، للحصول على ذهب صافي.

التأمل هو مثل نار التصفية، ومن خلاله أضع نفسي في عناية الله بحب وتواضع، مدركاً أنها الطريقة التي ستُخرج منّي الأفضل، فالله الجواهري يتأكّد من إستئصال كل الشوائب والزَيف والجوانب الإصطناعية من شخصيتي. لكنني أحتاج إلى الشجاعة والإيمان لتحمّل هذه العملية التحولّية، لأن أثناء عملية تسخين المعدن يأتي وقت يفقد فيه المعدن شكله السابق، إلى أن يحين وقت تشكيله من جديد.

ونفس الشيء ينطبق علي في عملية تحوّلي، حيث ألاقي نفسي وكأنني سائل من غير شكل، بين مرحلتين، لستُ في هيئتي السابقة ولا الجديدة. فقد تخلّيت عن دعم هويتي ومكانتي السابقة، ولكن لم أحصل بعد على الدور الجديد الذي أُريد أن ألعبه. وقد أكون أيضاً واعي أكثر من أي وقت مضى على كل الشوائب المختلطة في الروح التي تفصلني عن كل ما هو حقيقي في داخلي.

 فبمجرّد قولي "أريد أن أتغير" يبدأ مع هذه الجملة تحدّي القوة السلبية لي من الداخل والخارج لمحاربتي وإختباري. وفي مثل هذه الأوقات، كل ما أحتاجه هو إيمان راسخ بالحرف اليدوية للأسمى. فأنا أعرف بأنني في أيادي الله الماهرة، وأن هذه العملية سينتج عنها شئ رائع وقيم. ولمواجهة هذا التحدّي علي ببساطة أن أبقى ساكناً وثابتاً.

 إقرأ أيضاً البخلاء: حالتهم النفسية مرضية وعلاجهم شبه مستحيل والرجال أكثر بخلاً من النساء

ربّان السفينة

كثيراً ما إستخدمت النصوص الدينية والأدبية صورة عن رحلة سفينة كتعبير مجازي عن رحلة التحوّل. فإبحار السفينة بعيداً عن الساحل يعني ترك القناعات القديمة على أمل العثور على الجديد والأفضل. والتأمل يُتيح لي أن أرى بوضوح ما يوجد على على الجانب الآخر من المياه. فبالتوجه إلى الداخل وإستشعار صفات الله وإدزاك إمكانياتي، أنمّي مكان من الحب والحقيقة والسعادة، خالي من الألم. وهذا يعطيني القوة أن أسلّم بحياتي لله كربان السفينة. وأشعر بأنني جاهزة لترك ساحل العالم القديم من دون النظر إلى الوراء. وحين أقرر أن أضع نفسي على متن سفينة الله، قد يكون الأمر صعباً وربما خطراً إذا ما حاولت الرجوع. فالسفينة لا تغرق مهما إهتزت، ولكن إذا أنا سقطت عنها سيلحقني الآخرون. وأذا حاولت السباحة إلى الساحل الذي تركته، فمن الممكن أن أغرق. فقط أنا الذي يقرّر الذهاب على متن هذه الرحلة، ولا أحد يستطيع إجباري على خوضها أو حتى الرجوع عنها. فأنا الذي ينظر إلى الإحتمالات وأقرّر بنفسي. وطبعاً سفينة الله هي سفينة المعرفة، وعندما أكون على متنها، فإنا لا أترك العالم من حولي جسدياً، لكنني أنسحب منه نفسياً وعاطفياً. وأنظر إليه من منظاز مختلف، من عين المعرفة الروحانية. أي أنني أكّف عن الإنغماس في ملذّات العالم المؤقتة وأهدافه المزيّفة وأحلامه الرخيصة، وأركز نظري إلى أفق آخر جديد. قد تهب العواصف عندما تصل السفينة إلى وسط المحيط، لكنني أبقى على ثقة بربان السقينة الذي يعرف تماماً ما يجب فعله، فالتجربة ليست جديدة بالنسبة اليه، كما هي بالنسبة لي. لكنني أستطيع المساعدة من خلال التأكيد على الإنسجام والوحدة مع رفاقي المسافرين، فجميعنا إختار بشجاعة ووعي السفر على متن نفس السفينة وللهدف نفسه. فالتعامل بحب وإحترام سيُبقي إيماننا راسخ بأنفسنا وبهدفنا. وحتماً سيساعدني الإيمان بالسفينة وبربّانها وبركابّها على الإيمان بنفسي لأتخطى كل العواصف التي قد تصادفني. والإيمان بأن الهدوء سيعّم بعد العاصفة، والرؤية ستصبح واضحة من جديد، والسفينة ستُبحر بسهولة مرة أخرى.

 إقرأ أيضاً كيف أستعيد قوتي وحريتي

تأمل

أرى حياتي سابقاً وأقدّر ما أوصلني إليه حظّي، وأرى غنى التجارب التي خضتها في حياتي والدروس التي تعلّمتها، لكن الآن حان الوقت للمضي قدماً، فأضع نفسي مع الله الربّان في سفينة المعرفة، سفينة الحقيقة، فأنا أعي تماماً عناية وقوة وحكمة ربّان السفينة، وبقوّته وعشرته أترك ورائي كل تعلّقاتي ورغباتي، وبإستشعار حبه وحقيقته أشعر بأنني تركت العالم القديم ورائي، ونظري يمتّد إلى الأمام حيث أرى مكان من الحقيقة والجمال والحب، وأدرك بأن الوقت الذي أمضيه مع الربّان يملئني بهذه الصفات.

 

النحّات

لطالما ذُكر الله بالنحات. فإيماني برؤية النحات وشغله على منحوتته، في إنتظار ما سيخرج من كتلة خشب أو حجر، هذا الإيمان، يسمح لي أن أضع نفسي بين يديه.

فهناك جمال روحي وكمال في داخلي، كما في كل روح، مخفي وراء طبقات من الوعي الجسدي ووراء ذلك المنظر المادي الذي خلقته لنفسي، عندما ربطت حقيقة من أنا بالجسم وبالعالم المادي. ولكن عندما أتأمل أعي مجدداً حقيقتي بأنني كائن روحي وأتذكر صفاتي الأصلية. وعندما آتي أمام الله تصبح رؤية الكمال واضحة جداً أمامي، فأشعر بأنه يجب علي أن أستعيد حالتي الأصلية هذه.

إذاً أصبح قادر على الثقة بالنحات، وأعلم أن الطَرق والقَرع الذي أتلقاه سيُكسّر نقاط الضعف عندي وسأستعيد حقيقتي وجمالي. فأنا لا أعرف نفسي ولا أؤمن بنفسي كما يعرفني الله ويؤمن بي. وتلك المعرفة هي التي ستعطيني القوة والشجاعة لأن أبقى ثابت ومنضبط أثناء متابعة واتمام النحات لعمله.

 

تأمل

أركز أفكاري على الأسمى، الكائن الكامل والمطلق،أشعر بأنني محبوب، وهذا الحب يذكرني بالجمال في داخلي، وأشعر بأن هناك فارق كبير بين كيف يراني الله وكيف أنا الآن. أتمسّك برؤية الله لي وأبقى بين يديه، فكل ما يريده النحات هو أن أبقى ثابت، وعندما أبقي عقلي ثابت، فحب الله وطاقته تعيد تشكيلي وتحوّلني، وكل ما هو سامي وجميل يبدأ بالإنبثاق من خلالي.

 

المخرج

"العالم كلّه مسرح ،وكل الرجال والنساء هم مجرّد ممثلّين" كلمات شكسبير هذه لا يجب أن نأخذها كمفهوم مجازي فحسب ونخسر العمق الحقيقي لمعناها.

خلال التأمل، عندما أستشعر بوجودي كروح منفصلة عن الجسم، فكرة أنني ممثل يلعب دور على مسرح العالم تصبح واقعاً حقيقياً. وهناك أيضاً قوة عظيمة في التواصل مع الله كمخرج المسرحية التي نلعبها. وهي علاقة مثمرة بالأخص في هذا الوقت مع تزاحم ستة مليارات ممثل على مسرح الأرض. رؤية الله تطوّق كامل الدراما، كل لفة وكل حركة في دور كل ممثل، من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، منذ البداية إلى النهاية والبداية مجدداً. عندما أصل عقلي بعقل الله أصبح قادرة على قطع اتصالي بمشاهد الأيام الأخيرة، والتي يتخلّلها الألم والمعاناة، وفي المقابل أضع قلبي بإتجاه التحضير لقدوم بداية جديدة. مع الفهم والإيمان بأن مشاهد الجمال العظيم ستظهر مجدداً قريباً، أتعلم من المخرج كيف ألعب دوري بدقة وجمال، الآن وفي المستقبل أيضاً. فالممثل الذي يخسر نفسه أثناء المسرحية، أو الذي يريد القيام بالأشياء على طريقته الخاصة، لن يكون ناجحاً مثل الممثل الذي يكون على إستعداد للإستماع والتعلم من المخرج. وأيضاً من المفيد أن أترك مساحة صغيرة بيني وبين الدور الذي ألعبه، لكي لا يغيب عن بالي مجرى المسرحية أو تعليمات "المخرج السامي"، وبذلك سيسهل عليّ أداء دوري وسيقدّرني الجميع. 

 إقرأ أيضاً الإتجار بالبشر: العبودية الحديثة للإنسان وضحاياه قاصرات!

تأمل

أتذكر بأنني ممثل على مسرح العالم، ولكن لفترة قصيرة من الوقت أضع جانباً الزي والدور الذي ألعبه، أنا الروح أترك هذا المسرح، وبقوة عقلي اسافر في رحلة إلى موطني الأصلي، العالم النوراني، وفي موطني هذا ألتمس الصفاء والسلام والسعادة، وأشعر بأن بطاريتي شحنت، وأنظر إلى المسرح في الأسفل وأرى الكثير من النشاطات فيه، مآسي، وأفراح وآلام وبطولات وإضطرابات، أخطو مجدداً في هذا المسرح ولكن هذه المرة أحافظ على إدراكي بنفسي أنني ممثل، وأحافظ على كرامتي وسيادتي خلال لعب دوري، وأبقى على إتصال مع المخرج كي أستطيع إلتقاط الإشارات منه، لأفهم ما يجري في الدراما، وبتواصلي مع الأسمى أصبح مسالم ومنفتح وكريم وغير محدود.

 

الثقة والإيمان مهمّان بقدر كبير في علاقتي مع الله، وهو ليس إيماناً أعمى، بل إيمان من جراء فهم عميق ورؤية واضحة. فالأشجار والنباتات ينتفعون من رؤية البستاني لهم بمجرد حفره وزرعه حتى قبل ظهور الورود والثمار. والذهب يستسلم لنار المحرقة وأدوات الجواهري لإعادة تشكيله. وعندما أضع نفسي في سفينة الله، هذا لأنني لمحت مسبقاً نفسي الجديدة المتحوّلة. والرخام يخضع للنحات، والممثل يخضع للمخرج لتسود رؤية الله الأعلى في هذا العالم.

 ريتا مسلم 

تأمل الراجا يوغا

Comments