Post Image

أحداث منحرفون فهل إصلاحهم يكون في حبسهم؟!


الإثنين 2014/10/20

تحقيق: تغريد حامد وزيزي أسطفان

 

 

سرق أحمد سيارة أحدهم هرباً من تحرشاته الجنسية. وحمل مسدساً دفاعاً عن نفسه من سكاكين و«أرطة هيروانجية». وخلع رشاد باب الباتيسري لأنه «استحلى» لنفسه ولأمه بعض الحلوى... هذا الجنوح قد يصبح أخطر لو تُرك «حبله على غاربه»، فالحدث الجانح اليوم قد يصبح مجرماً في الغد. فكيف بسامر الذي قتل والده كي يفلت من سطوته وحبسه؟! معظمهم أطفال يعانون من فقر وحرمان وعائلات متفسخة تكثر فيها المشاحنات والعنف والاعتداءات الجنسية والمخدرات وسائر الموبقات... منهم من يفرّون من بيوتهم مثل عصافير صغيرة هجرت أعشاشاً سكنتها الأفاعي! ومنهم من يصبح الاحتيال على الحياة وسيلتهم للعيش... وكلٌّ يحاول أن يغتصب منها حقاً أو حصة لم تقسم له! هؤلاء الأحداث الذين يعيشون على شفير الجريمة ما هي مشاكلهم؟ وكيف يمكن حمايتهم وإصلاحهم؟!

 

لم يكن أحمد غ، قد أكمل السادسة عشرة من عمره حين أُدخل السجن وخرج منه. فتى مشاكس برغم بعض ما تعتقده حياءً أول الأمر. لا يتكلم كثيراً ولا يحب التفاصيل إذ يعطيك الكلام من آخره!

تهمته كانت سرقة سيارة. يدفعها عنه بإصرار مبرراً «لم تكن نيتي السرقة، كان معي موتو «انقطع» بي وبرفيقي وما كان معنا «مصاري». ارتأى صديقي أن يوصلنا أحدهم وهو على معرفة به، لكن الرجل كما يبدو كان... كان «مش منيح».. «شو يعني»؟ يعني في الطريق «حطّ إيدو عليي». أراد التحرّش بي وطبعاً ما قبلت. ثم نزل من السيارة قاصداً الحمام. شو بدك ياني أعمل؟ دوّرت السيارة وذهبت الى البيت، لكن لم ينقضِ بعض الوقت حتى داهمتنا عناصر من «المعلومات» اعتقدتهم صاحب السيارة ومعه رجال. هربت، لكنني أوقفت في اليوم التالي...».

سُجن أحمد مع أولاد من أعمار مختلفة، أكبرهم عمره 18 سنة وأصغرهم 12. كانت الأيام الأولى فترة عصيبة بالنسبة إليه «في ولد أكبر مني «استعداني» وكان يهجم عليّ كل ساعة بدو يفتح معي مشكل. هلكني. لكنني شكوته لمدام رباب (المساعدة الاجتماعية في مؤسسة الأب عسيران) التي حلّت الموضوع».

يؤكد أحمد لنا أنه ندم على فعلته «فكرت كتير بما فعلته. كان «غلط بغلط» ندمت. اشتقت لأهلي. بكيت؟ إي بكيت مرة لأني استصعبتها. الحبس حبس شو ما كان».

[ كيف كانت علاقتك مع الأولاد الآخرين؟

ـ يعني... صار عندي أصحاب في الحبس مع أولاد شكوا لي همومهم وشكوت لهم همي. وما زلت ألتقي بهم بعد خروجنا.

[ ما أكثر ما استصعبته في الحبس؟

ـ (صمت.. لم يجب). لكن المساعدة الاجتماعية أجابت: عند الأحداث أصعب شيء هو كيفية حصولهم على سجائر. يوافق أحمد لكنه يكمل: بس أنا ما بدخن كتير...

[ والأكل؟

ـ كلّو قرف بقرف.

[ شو عجبك بالحبس؟ نسأله ممازحين...

ـ شو بدو يعجبك بالحبوسة؟

[ أخبرنا عنك وعن العائلة...

ـ أنا من عائلة مؤلّفة من ثمانية أولاد، والدي بائع خضار. أمي تعمل لدى إحدى السيدات في البيت. تركت المدرسة لأني «ما طلع مني علام» (يعترف بابتسامة خجولة!)، لكنني عملت لبعض الوقت في «تمديدات الكهربا». اليوم أنا عاطل عن العمل آخذ مصروفي من أمي. كلما سألت عن شغل قالوا إن لديهم عمالاً سوريين. هه.... لم يتركوا لنا شيئاً نعمله. أحياناً أساعد أبي، لكنها بسطة صغيرة لا تستدعي المساعدة.

وتسأل المساعدة الاجتماعية في محاولة منها لاستدراجه الى الاعتراف أكثر:

[ هذه المرة الأولى التي تدخل فيها الحبس يا أحمد؟

ـ إي. لأ... مرة ضربت رجال هجموا عليّ بالسكاكين، طعنوني في يدي فضربتهم بعصا. أوقفوني يومين و... مرة ثانية أوقفت لأنهم «كمشوا» معي مسدساً كنت اشتريته لأحمي نفسي. عندنا زمرة هيروانجية بيسحبوا سكاكين و«بيشلحو» الواحد مصرياتو! لما «بيطرق» الواحد منهم «شمة» يتهيأ له «أشكال ألوان»! وإي أنا كنت «شربان بيرة ومتقّل» لما أوقفوني. فقط بيرة».

نشاط وتوجيه

 

الآنسة صفا مساعدة اجتماعية مندوبة من مؤسسة الأب عسيران، وهي مع أخريات يتابعن في السجن وخارجه أمور الأحداث، في حين أن مجموعة محامين تتابع أمورهم القانونية والقضائية. لو لم تتدخل المحامية وتطلب له إخلاء السبيل لبقي في السجن، لكنه أُخرج ريثما تنتهي جلسات المحاكمة من البت في قضيته. «أحمد»، تقول صفا، «أفاد من خدمات المؤسسة ونشاطاتها فحصل على متابعة نفسية داخل السجن وخارجه وصفوف محو أمية ورياضة بدنية، كما على دورة ميكانيك من قبل السجن. وقد كنا صلة الوصل بينه وبين أهله الذين كانوا يقومون بزيارته مرة في الشهر. فكان دورنا رعايته نفسياً وتوعيته لمعرفة حقوقه وتوجيهه الى التصرّف السليم والتعامل الصحيح مع زملائه كي لا يتعرّض للأذى أو الاستغلال.

من حبس الى حبس

 

من يرى عمران لا يصدّق أن عمره لم يتعدَّ 16 سنة فقط، فهو يبدو أصغر ببضع سنوات. يعتقد أنه لم يكمل 13 سنة. صحيح أنه طويل القامة نسبياً، غير أن نحافته وملامح وجهه توحي ببراءة ولو لم يشب عن الطوق!

عمران اتُّهم بالقتل، فلم يسعفه وجهه الطفولي في درء التهمة عنه. التقينا به وسمعنا قصته ففهمت سرّ اختلاجات عينيه ونظراته الحذرة ربما، ولماذا يختبئ داخل صمته معظم الوقت. بعد محاولات عدة لتحريضه على الكلام، أخبرنا أنه من عائلة فقيرة، والده (مصري) كان يعمل في بيع الألبسة المستعملة، توفي بعد تعرّضه لمشاكل صحية. أخوته الثلاثة أصغر منه، ولولا عمل والدته (وهي لبنانية) كعاملة تنظيفات في إحدى مدارس تلك المدينة، لماتوا جوعاً وبؤساً!

في ظروفه المتردية عاشر الولد رفاق سوء، هم أيضاً أبناء فاقة وبيئة يعشش فيها الجهل والفساد. وقد سوّلت لهم أنفسهم سرقة أحد المحلات التجارية، فلم يكن «حساب الحقل على حساب البيدر»، إذ قاوم صاحبه فقُتل! من قتل الرجل؟ التهمة كانت من نصيب عمران! أوقف الفتى وخضع لتحقيقات استغرقت حوالى الأسبوعين، تعرّض أثناءهما الى ضغوط قاسية خلّفت لديه اضطرابات نفسية وحالة من الهلع تستلزم المتابعة والعلاج الجدّي هو اليوم يتلقاهما من مؤسسة الأب عسيران بعد تبرئته وإطلاق سراحه...

مشكلة الفتى للأسف لا تقف عند هذا الحد، فكونه مصري الأب ولا يحمل الجنسية اللبنانية ولا إقامة، فقد أحيل الى حبس الأمن العام، حيث يُلزمه إما بالرحيل أو باستحصال إقامة ليبقى في كنف والدته! فالقانون للأسف يحرمها من منحه جنسيتها!

ضحايا ومنحرفون

 

مثل أحمد وعمران وفياض الذي سنعرف قصته، فتيان كثر مهملون ومنسيون، ما يجعلهم عرضة للانحراف. منهم معدومون ومنهم ضحايا تفكك عائلي، أو علاقات غير شرعية، أو قيود مكتومة، فلا شخصية إنسانية أو قانونية لأيٍّ منهم! ومنهم من حُرم من جنسية أمه اللبنانية أو تعرّض للعنف والاعتداء أو نشأ على الانحراف في بيت كان «ربه بالطبل ضارباً...»!

هؤلاء الأحداث الذين ظلمتهم ظروف الحياة وطحنتهم مشاكل الأهل، هل هم مجرمون؟ وكيف لمن يُعتبر طفلاً (كل من هو دون 18 سنة بحسب ميثاق الأمم المتحدة) أن يكون مجرماً؟ أم تُراه ضحية ينبغي الترفق به وإعادته الى جادة الصواب؟ وهل إصلاحه لا يكون إلا بمعاقبته وحجزه في السجن في ظروف قاسية؟! أم ينبغي أن يكون إصلاحه بتأهيله في أجواء نفسية وتربوية صحيحة؟!

فالحدث، وهو عرضة دائمة للمظالم والاستغلال، يحتاج بسبب عدم نضجه البدني والعقلي ـ كما ينصّ إعلان حقوق الطفل ـ الى إجراءات وقاية ورعاية خاصة، بما في ذلك الحماية القانونية. غير أنه يُحجز في سجن رومية المخصص للكبار في ظروف غير صحية ولمدة غير محددة، بانتظار تقديمه الى المحاكمة. وقد يطول الانتظار أكثر من سنتين لأسباب منها قلة القضاة وعدم توفر المساعدة القضائية الجدية! أما الأصغر سناً فيفترض إحالته الى الإصلاحية الوحيدة في لبنان شرط ألا يكون من أصحاب السوابق أو ملاحقاً بقضايا إرهابية، ولكن هذه الإصلاحية لا تتسع إلا لعدد صغير محدود!

الجرائم ـ الجنح

 

السبب الأول في قائمة أسباب الانحراف هو الفقر والحرمان، فكيف يمكن للأولاد المشرّدين أن يكونوا محصّنين ضد السرقة والنشل مثلاً، وكيف يمكن ألا يقعوا في شباك الرذيلة؟ كثر ممن لا يجدون ما يسدّون به أودهم أو مأوى يلجأون إليه، يفضّلون السجن، بل ويسعون إليه بمخالفة القانون عن عمد! منسّق مكتب الأمم المتحدة الإقليمي في الشرق الأوسط لمكافحة الجريمة والمخدرات والاختصاصي في شؤون القاصرين ألكسندر شميت يقول إن الطفل الذي لا يملك حذاءً سيسرق أول حذاء يجده حتى ولو كان أمام باب المسجد...»! ويؤكد شميت أن 75٪ من الجرائم المرتكبة هي عبارة عن جنح لها الطابع الظرفي للفعل الجرمي... «فالولد الذي يسرق دراجة من أجل قيادتها فقط ثم يعيدها اعتُبر مجرماً إذا أمسكت به الجهات الأمنية، حتى لو لم يرتكب أي مخالفة سابقة! أما العقاب برأيه فليس باعتقاله وعزله كمجرم خطير، إنما إلزامه بتأدية أعمال ذات طابع خدماتي مدني يكفّر بها عن جنحته وتفيد المجتمع في الوقت عينه.

انحراف الفقراء والأغنياء!

 

برأي أهل الاختصاص في علم الاجتماع أن مفهوم الجريمة عند الطفل مختلف عنه لدى الكبار، فهو يقترفها لتلبية حاجة لديه أو للدفاع عن نفسه. لذلك معظم جرائم القاصرين هي عبارة عن سرقة ونشل. وغالبيتهم، كما تبيّن، هم أولاد هجروا بيوتهم الى الشوارع، وانحرافهم كان بسبب سوء المعاملة والحرمان والتفكك العائلي. أما انحراف أولاد الأسر الغنية فمردّه معظم الأحيان الى الإهمال العاطفي. القاصرات أيضاً يقمن بأفعال جرمية، ولكن بنسبة ضئيلة مقارنة بالفتيان. وأكثر هذه الأفعال السرقة، تعاطي المخدرات والدعارة التي غالباً ما يمارسنها تحت ضغوط من راشدين مستقلّين وقد يصبحن ضحايا الإتجار بالأطفال. هؤلاء المنحرفات كان يتمّ احتجازهن في سجن واحد مع محكومات راشدات الى أن أنشئ مركز لتأهيلهن يتضمّن برامج تربوية ومدرسية ونفسية للإعداد المهني لكي تسهل عودتهن الى المجتمع.

الوزيرة منى عفيش تناشد

الجميع للمساعدة

 

ما هي مشاكل هؤلاء الأحداث؟ كيف يمكن تصحيح مسارهم وما العمل لحماية غيرهم من الجنوح الى الرذيلة؟ ثمة جمعيات ومؤسسات للرعاية الاجتماعية تعمل على ذلك وتبذل جهداً مشكوراً. مؤسسة الأب عفيف عسيران إحداها، فهي تهتم بالفقراء والمشرّدين وبالدفاع عن حقوق المخالفين للقانون منهم، فتتواصل معهم وراء القضبان وتعمل على تأهيلهم اجتماعياً وتربوياً بواسطة فريق عمل متعدد الاختصاصات، كما تتابعهم مع أهاليهم خارج السجن. أنشأت المؤسسة مدرسة داخلية لتعليم الصبيان الأقل حظاً وتوفير التدريب المهني وتأمين الملبس والغذاء... «سنوب» التقت رئيسة المؤسسة الوزيرة السابقة والمحامية منى عفيش وتحدثت معها، فكان هذا «الغيض من فيض» تجربتها الغنية.

 

بدايةً تقول: أعترف أنني لم أكن أعلم أن في لبنان هذه الدرجة من الفقر و«التعتير» الى أن عملت في هذه المؤسسة. كنا نسمع عن أولاد شوارع ومكتومي قيد وسفاح قربى و... ولم أعتقد أنها موجودة لدينا. وحين بدأت مع الأحداث هنا صدمني أن منهم من كان في السجن. بعد فترة اكتشفت أنهم لا يحتاجون إلا الى بعض الاهتمام والإصغاء لهم. الأب عسيران حضنهم وأنشأ لهم مدرسة مجانية فيها قسم داخلي لتعليمهم مهنة. تعلّمت معهم أشياء كثيرة، منها ميكانيك السيارة التي كنت أقودها وأجهل كل شيء عنها. من تجربتي معهم فهمت أن العائلة هي الأساس. لديهم انتماء قوي وتعلّق بأهاليهم برغم إهمال بعضهم لأبنائهم. نعمل المستحيل كي يزوروا أبناءهم في السجن، حتى إننا كنا ندفع بدل مواصلاتهم في سبيل ذلك، لكن علينا التوجّه الى العائلة كأساس، والولد يجب أن يبقى في كنف عائلته لأن لا أحد مثل الأهل مهما كانوا. في مدرستنا هذه حالات اجتماعية صعبة. ثمة أولاد معدومون يعيشون بفقر مدقع، محرومون حتى من الأكل. منهم من يعود باكياً من عطلة آخر الأسبوع من شدة جوعه!! أو يكتفي بنصف رغيف ليس فيه سوى قليل من الملح! منهم من يعمل بعد المدرسة من أجل قوت أهله! وبعضهم يخرج من المدرسة لنكتشف أنه أدخل السجن لأن ما من أحضان أو توجيه لهم.

[ مدرستكم المهنية للذكور فقط، لماذا؟

ـ (تبتسم) لدينا مشكلة في كون بعض المدرّسين إناثاً. أحد التلاميذ وعمره 13 سنة تمنّع يوماً من الدخول الى الصف. قال: «أنا ما بقبل تأمرني وتقاصصني مرا»!! وبعد أخذ وردّ معه، علمت أنه يتناول الطعام مع والده وأخوته، أي الذكور على حدة وبعدهم تأكل إناث البيت، أي أمه وأخواته على حدة. هذا الطالب، إضافة الى آخرين، جعلني أسعى الى توعية الأهل أيضاً والتعاون معهم من أجل أبنائهم. لكن هذا العمل متعب في الحقيقة. مرة شكوت تلميذاً لأبيه لعدم اجتهاده. وفي معرض الحديث أخبرني بأنه «عاملّو برنامج»، قال: «حين يصل الى البيت الساعة 3 «بقعّدو» يدرس. في الساعة 5 أصطحبه معي الى المقهى ولا أقبل إلا «رجلي على رجله». الساعة 8 أعيده الى البيت لينام، وأرجع أنا الى المقهى»!!

ماذا يمكن لولد أن يفعل في مقهى حيث لعب ورق ونارجيلة ودخان ومشروبات روحية وكلام لا نعرف ما هو؟! هذا الأب يعتقد أنه يحسن صنعاً لأنه يحمي ابنه من الزعران ومن الغلط، لكنه في الواقع يحتاج الى توعية أكثر من ابنه!

[ ما هي أكثر التهم المنسوبة الى الأحداث الذين يدخلون السجن؟

ـ السرقة، لكنها سرقات متفاوتة وعقوبتها بالتالي مختلفة. لذلك نحاول توعيتهم بحيث يعرفون حقوقهم وأين هم من القانون. بعضهم يسرق ليأكل ومنهم من يسرق من أجل المال. أحدهم وعمره 14 سنة، كان ماراً بصحبة رفيقه بباتيسري مغلق، وكانت قوالب الحلوى تظهر من خلف الزجاج. كان جائعاً واشتهى ما رآه، فخلع الباب وأخذ قطعتين وعلبتي عصير له ولصديقه، كما أخذ «قالب كاتو» لوالدته! أوقفوه وبعد تأكد صاحب المحل من عدم سرقة أي شيء آخر أسقط حقه. لكن بسبب الحق العام حُكم عليه بالسجن 3 سنوات بعد أن رفض طلب أمه بأن يوضع في عهدتها بحسب القانون 422 لتكون المسؤولة عنه.

[ لم يُحل الى إصلاحية الأحداث؟

ـ يحال كل من هو دون 14 سنة. لدينا إصلاحية واحدة في لبنان وهي لا تتسع لأكثر من 25 ولداً! لذلك تُخصص في السجن غرفة للصغار ينامون فيها. نحن طالبنا بأن لا يكون الاحتكاك بينهم وبين الكبار، غير أنهم طوال النهار على احتكاك بمن هم أكبر سناً، قد يكون بينهم من يتعاطى المخدرات مثلاً أو حتى تاجراً ما قد يؤدي الى إفسادهم!

[ من تجربتك الطويلة، ما هي أهم مشاكلهم في الحبس؟

ـ حين دخلنا في العام 2004 الى السجن كان الوضع مخيفاً. شخصياً عدت من الزيارة الأولى مريضة. حرام وضع حيوان فيه لا ولد. لا نظافة، لا أسرّة أو فرش ولا حرامات ولا ألبسة. يؤتى بالطعام مرة واحدة صباحاً وعلى السجين أن يتناول منه مساءً بالرغم من عدم وجود برادات، ما يعني أنه قد يأكله فاسداً! وضع مزرٍ تماماً. أذكر أنني رأيت ولداً في السادسة عشرة من عمره، كان يمسك خيطاً ويشدّه بعصبية بين يديه، سألته عن قضيته فقال: أنا قتلت. أدخلوني منذ 4 سنوات لكني لم أُستجوب بعد! رأيت غرفته الصغيرة والحمام الذي كان عبارة عن مغسلة لا غير وبدون صابون. أما التواليت فكان كرسي حمام لا يفصله لا باب ولا حتى ستار! وبدأت أسعى لإصلاح ما يمكن. طلبت من الوزيرة السابقة السيدة ليلى الصلح مساعدتي في ذلك. فعلت مشكورة فقمنا بـ «نفض» القسم من تنظيف ودهان وتجهيز حمامات وجهزناه بكل ما يلزم من أسرّة وكراسي وبرادات وتلفزيونات... والمشكلة ظلّت في إمكانية وضع باب للحمام، والحقيقة أننا ناضلنا لفترة من الزمن حتى قبل المسؤولون بذلك! أوقفنا عقوبات قاسية كانوا ينزلونها بالأولاد، خصوصاً تلك المتعلقة بالعزل. مرة عزلوا ولداً صغيراً عمره 14 سنة لمدة 8 أيام في غرفة معتمة صغيرة، ما تسبب له بأزمة نفسية. اليوم قد يُعاقب الولد بالعزل ولكن في غرفة منوّرة، فيها فتحة يستطيع التحدّث مع أصحابه منها وتزوره المعالجة النفسية فيها.

[ هل من إصلاح لهم في السجن؟

ـ أبداً، ما زال السجن في رومية، مع كل الإصلاحات والشغل عليه، بؤرة فساد وقنابل موقوتة. منذ 10 سنوات وأنا أحذّر. ممنوع أن يكون هؤلاء الأولاد فيه، وضعهم النفسي مزرٍ. لديهم حقد على كل العالم، حتى على الجمعيات التي تعمل لأجلهم. يتعاطون مع بعضهم بعدائية... هل يعقل أن يعيش 18 ولداً في غرفة واحدة؟! الأنكى من ذلك أن يوكلوا «شاويشاً» من المساجين الكبار، ويختاورن «أزعرهم» ليفرض هيبته عليهم. هل بهذه الطريقة يكون الإصلاح والتربية؟ ثم القانون 422 يمنع وجودهم في السجن. أقول وأتحمّل مسؤولية هذا الكلام، للولد حق بالعناية الصحية، ومع ذلك ما من طبيب صحة بدنية ولا نفسية لرعايتهم. كانت الوزيرة الصلح قد تولّت إنشاء عيادات صحية متعددة ومختلفة الاختصاصات، غير أن الحريق أتى عليها جميعها. ووفقاً لأنظمة السجن، فسجن رومية ليس للأحداث. وجودهم مخالفة لحقوق الطفل. الحبس هو آخر حل ينبغي أن يلجأ إليه القاضي، لكنه اليوم بوجود السوريين يدخله أكثر من 1000 ولد في السنة، وثمة إقامة دائمة فيه لعدد يتراوح بين 90 و130 ولداً. سابقاً وقبل النزوح السوري كان ما بين 500 ـ 600 قاصر في السنة.

[ ما نسبة الأولاد الموقوفين بتهمة تعاطي أو ترويج المخدرات؟

ـ عددهم كبير للأسف، وقد تعلمت منهم أسماء أنواع خفيفة من المخدرات مثل البنزاكسول كما سمعت بالتنر. أحدهم قال لي أعطيني 5 آلاف ليرة أنا بجبلك 100 حبة بنزاكسول. عم يبيعوها عالطريق!

لكن منهم من لم يقتلوا أو يسرقوا أو يقترفوا جرائم بحق غيرهم، لم يؤذوا سوى أنفسهم. هؤلاء يدخلون الى السجن لأنهم تعاطوا المخدرات الخفيفة لكنهم قد يخرجون منه مروّجين! ومنهم من تستغلهم العصابات، بعد أن تدفعهم الى التعاطي ثم الإدمان، لبيع وترويج المخدرات! هؤلاء الأولاد لو توفّر لهم الحضن الجيد والتوجيه السليم لما انحرفوا، لكنهم مهملون ومع ذلك يحملون هموم أهاليهم ومشاكل عائلاتهم المفككة ووزرها ووزر بيئتهم... هم ضحايا الجهل وضحايا النظام المدرسي الذي يطردهم خارجاً. مرة رأيت ولداً في السجن ربما كان عمره أقل من 14 سنة، تظهر عليه البراءة. أخبرني أنه متهم بالتحرّش الجنسي بولد آخر. بالنسبة إليه كان ما فعله أمراً طبيعياً! طلبت من المعالجة النفسية توضيح الموضوع له وتوعيته، وتولّينا نحن وضعه القانوني. لو كان لدينا القانون المجاني الإلزامي للتعليم الابتدائي تحت طائلة العقوبة، لكان معظم هؤلاء الأحداث في مدارسهم بدلاً من السجن أو من توجههم الى العمل واستغلالهم في عمالة الأطفال. لكنه لم يُطبّق حتى الآن لعدم وجود مراسيم تطبيقية. ثم ينبغي إيجاد صفوف تدعيم دراسة وأنا أعمل على هذا المشروع. وأطالب بجهاز اجتماعي ونفساني في المدارس وبمساعدة اجتماعية لكل صف يضم أكثر من 50 طالباً تبحث أيضاً في مشاكل الأهل. من غير المقبول بتاتاً تسرّب الأولاد من المدرسة. في مدرستنا مثلاً كذا طالب متسرّب لأن المدارس لا تحسن التعامل معهم. تطردهم منها بدلاً من أن تكمل عمل العائلة أو تملأ الفراغات التي تركها الأهل... فماذا يكون مصيرهم؟

نحن نحاول حماية هؤلاء من الانحراف، ومن دخولهم الحبس. نحصّنهم ضد الغلط ونخفف الحمل عن كاهل أهاليهم، فنقدم لهم العلم والطعام والدعم النفسي والاجتماعي.

وتختم الوزيرة عفيش قائلة بألم:

ـ مشكلتهم الأهم هي وجودهم في السجن. أحد الأولاد عمره 11 سنة قتل والده لأنه كان يمنعه من مجالسة أخوته والذهاب الى المدرسة، وكان يأخذه باكراً كل يوم الى الحقل ويعيده عصراً، ويجبره على النوم في ساعة مبكرة كي يوقظه صباحاً. ذات يوم أطلق الولد النار على والده من بندقية الصيد التي يصطحبها الأخير معه أحياناً... قتله. قال للقاضي ارتحنا وريّحنا.

حالياً هم يمضون أياماً صعبة. فنظراً الى أوضاع سجن رومية المقلقة اضطرت الجمعيات الى مقاطعته موقتاً. لكن إحدى المحاميات الناشطات أصرّت على الذهاب لتفقّد جناح الأحداث. أخبرتني بحزن كبير كم حالتهم تعيسة. فهم مهملون لا أهل يزورونهم ولا جمعيات تواسيهم أو تعالج مشاكلهم. إضافة الى أنهم يعيشون برعب لما يسمعونه عن سجن رومية وما يمكن أن يحدث فيه... أنا أناشد كل من يستطيع، أن يساعدنا في إخراجهم لأن مكانهم الطبيعي ليس الحبس، فهو يفاقم حالاتهم ولا جدوى منه.

رباب صفا: البيئة هي السبب

 

المساعدة الاجتماعية رباب صفا، مندوبة مؤسسة الأب عسيران في محافظة الجنوب، حدّثتنا عن وضع الأحداث هناك والظروف التي يعيشونها، فعزت أسباب انحرافهم الى البيئة التي يسودها فقر وجهل:

ـ إنها البيئة التي ينشأون فيها، خصوصاً مخيم عين الحلوة، فهم يوقفون، وفي حالة من السكر أو تحت تأثير المخدرات التي يتعاطونها، بتهم مختلفة: ضرب سكاكين، تعاطي مخدرات أو ترويجها، اعتداء يقومون به أو يتعرّضون له جسدياً أو جنسياً، سرقة، تزوير أوراق نقدية، وهم في هذه الحالة إما أفراد في عصابة أو مستغلّون من أشخاص يكبرونهم سناً. كما ثمة حالات قتل، مثلاً أحدهم عمره 15 سنة قتل حدثاً آخر بطعنه بالسكين... تعترضنا حالات مذهلة فيكون علينا متابعتها.

[ مثل؟

ـ ثمة ولد ع. ف. عمره حوالى 16 سنة من عائلة، الأم فيها تتعاطى الانحراف في شتى وجوهه، والأب «طرطور» ضعيف، وابنتان متخلّفتان في السابعة والثامنة من عمريهما، وقد وُضعتا في مؤسسة داخلية. آخر الأسبوع حين كانتا تأتيان لزيارة الأهل كان الولد يعتدي عليهما جنسياً، واتضح فيما بعد أن الخال أيضاً يفعل ذلك!

الولد أُدخل السجن بتهم الاعتداء الجسدي والجنسي وقد أخبرني عن وضع العائلة، فقصدت المؤسسة وتحدثت الى البنتين. وحين قصدت العائلة خلافاً لنصائح من حولي، لاحظت أن شاباً يتبعني ويدخل معي البيت، ادّعى أنه أخ ع. وادّعت الأم أنه خطيب ابنتها، لكنني علمت أنهما يكذبان واكتشفت أنه إما زبون الأم أو البنت وقد أخذته الى غرفة داخلية!... المهم أن الأم أُدخلت السجن بتهمة تعاطي الدعارة وترويج المخدرات. وتختم صفا:

ـ للأسف تنتقل عدوى الانحراف إليهم بسرعة في البيئة السيئة، وحين نحاول التحدّث إليهم وتوجيههم يقولون ساخرين: شو بدكن يانا نطلع مهندسين أو دكاترة؟!

الواقع لا يتوافق مع النصوص

 

المحامية دينا زعيتر صفا عضو في لجنة الأحداث في نقابة المحامين تقول:

ـ حدد قانون العقوبات اللبناني الحدث، بمن أتم السابعة ولم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، فإذا ارتكب جرماً معاقباً عليه في القانون أو وُجد مشرّداً أو متسولاً أو معرّضاً للانحراف أو مهدداً في صحته أو سلامته أو أخلاقه أو تربيته، أُخضع لأحكام هذا القانون.

وقد ميز القانون التدبير الذي يجب اعتماده في حال ارتكب الجرم بين حالة الجنحة وحالة الجناية، وتتراوح بين الحماية والمراقبة الاجتماعية والإصلاح والتأديب والعقوبات التي تصل في بعض الجنايات الى الحبس حتى سبع سنوات.

وتتم المحاكمة أمام محكمة الأحداث، وقد أعطى القانون دوراً مهماً لمندوب جمعية الأحداث والمسؤول عن الحدث (مدير المعهد أو المؤسسة التي تسلّم إليها)، ومع ذلك نجد أن الواقع لا يتوافق مع النصوص أحياناً، إذ يوضع الحدث في أماكن لا تتفق مع الغاية التي ابتغاها المشرّع لناحية حمايته، لذا نرى ونقترح توسيع دور الجمعيات الإصلاحية على هذا الصعيد لسد الثغرات التي تباعد ما بين النص والتطبيق، وتوسيع دائرة التنسيق بين الهيئات العامة المعنية والهيئات الخاصة المهتمة وتشجيع المجتمع المدني على المشاركة في حماية الحدث.

 

الأولاد المنحرفون أو قيد الانحراف، طاقة بشرية معطلة ومهدورة. وبدلاً من إنتاجهم وعطاءاتهم يصبحون فيما بعد عالة على المجتمع، بل ويهددون كيانه ويعرّضونه للخطر... أما السبب فغالباً ما يكون غياب الحضن الدافئ وقصوراً في التوجيه والتربية إن من الأسرة أو من المجتمع!

مكتب حماية الأحداث

 

الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان جمعية عريقة ذات منفعة عامة تعمل لمصلحة الأحداث ورعايتهم وحمايتهم وتأهيل وإصلاح المنحرفين منهم والمحالين الى محاكم الأحداث... هي ليست جمعية خيرية بل جمعية شبه رسمية ترعاها وتموّلها وزارتا الشؤون الاجتماعية والعدل، والهيئة العليا للإغاثة. وقد بادر مكتب الأحداث الى تنفيذ مشروع العمل للمنفعة العامة منذ العام 2005 لتأمين مؤسسات تحضن الحدث عوضاً عن إدخاله الإصلاحية. وذلك العمل يكون في مؤسسة للمنفعة العامة كالبلدية والدفاع المدني والصليب الأحمر... وقد أدّى ذلك الى خفض عدد المسجونين في رومية بسبب طلبه استبدال التدبير المانع للحرية بتدابير غير مانعة.

جرائم أولاد

 

بلغت جرائم الأحداث في الأعوام الخمسة الأخيرة ما بين 1200 و1500 جريمة سنوياً، وأبرز تلك التي ارتُكبت في لبنان ما بين بداية عام 2012 ونهاية الشهر السادس من الشهر نفسه، وفق ما نشرته مصلحة الأحداث عبر موقع وزارة العدل الإلكتروني، تأتي على الشكل الآتي: سرقة 221، أوراق ثبوتية 154، أسلحة 123، ضرب وإيذاء 118، مخالفات 63، إقلاق راحة 44، تعدٍّ على الممتلكات 41، تهديد 41، تسول 38، مخدرات 36، جرائم تمسّ أمن الدولة 31، قدح وذم 27، أفعال منافية للحشمة 21، إقامة غير مشروعة 21، قتل 20، كحول 18، الى التزوير والاغتصاب والاعتداء الجنسي وغيرها من الجرائم.

 

Comments