Post Image

البخلاء: حالتهم النفسية مرضية وعلاجهم شبه مستحيل والرجال أكثر بخلاً من النساء


الإثنين 2015/06/22

تانيا الزهيري - سنوب 

لو كان الجاحظ حياً لساعدنا كثيراً في إعداد هذا التحقيق، فهذا الأديب العربي الكبير «خبز البخلاء وعجنهم» ردحاً من الزمن، فصار خبيراً عليماً بأحوالهم وطقوسهم التي ضمّنها في كتابه الشهير «البخلاء» بشكل طريف ولاذع لا يخلو من العبر والحكم الإنسانية والاجتماعية العميقة. وكنا بلا شكّ انتفعنا ببركات وخبرات الأديب الفرنسي الساخر موليير وكتابه الشهير «البخيل» الذي لا يخلو ظرفه من «لطشات» و«قرصات» موجعة تحكّ على الجرح.. لكن آفة البخل، مع الأسف، لها أوجه عديدة، فإن كان بعضها مضحكاً ومثيراً للاستهزاء، إلا أن البعض الآخر قاتم ومنفّر ومريض! ولعلّ القارئ لقصص البخلاء يملك ترف الضحك على تصرفاتهم العجيبة الغريبة والطريفة أحياناً، أما من أوقعه حظه التعس بالعيش معهم، فله نقول: إذا رأيت نيوبه بارزةً فلا تظننّ أنه يبتسم!

 إقرأ أيضاً الإتجار بالبشر: العبودية الحديثة للإنسان وضحاياه قاصرات! 

د. نبيل خوري:

علاجه موجود ولكنه شبه مستحيل!

بدايةً، ولإلقاء الضوء على هذه الظاهرة كحالة نفــسية واجتمــاعية، وللاطلاع على الجذور والأسباب النفسية للبخل، تحدثنا إلى الدكتور نبيل خوري، اختصاصي في علم النفس العيادي والتوجيه العائلي والجنسي. وبداية سألناه:

 كيف يمكن تفسير حالة البخل وتعليل أسبابها أو جذورها؟

ـ البخل حالة نفسية مرتبطة بظواهر اجتماعية وعائلية. غالباً ما يكون البخيل تلقّن تربية من أمه وأبيه تقوم على مبدأ الحرمان الذي يرتدي طابع عدم التبذير، وإطلاق الشعارات المبررة للتقنين من وزن «خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود». ولكنه في الواقع مجرد تلقين لفكرة إبقاء المال العائلي في أطره الضيقة وعدم تضييعه على الآخرين، والخوف من أن تعود حالة الحرمان التي رافقت النشأة الأولى وتلقي بظلها الثقيل مجدداً، فيعيش الإنسان هاجس فقدان الثروة الى حدّ أنه ينام كل ليلة وهو يحرسها، على الأقل معنوياً.

 كم يمكن اعتبار البخل مرضاً نفسياً؟ وهل ثمة علاجات أو وسائل للحد منه ومن تطرّفه؟

ـ في معظم الأحوال، البخل حالة نفسية تقرب الى المرض، ولو كان في ظاهره سلوكاً فردياً مؤطراً في سمات شخصية الإنسان، وحدوده تُرسم في كل زمان ومكان بصيغ مختلفة:

< فمثلاً هناك من لا يحب دفع المال نهار الاثنين حتى لا تكرّ السبحة كل الأسبوع، فهذا وسواس قهري يتلحّف البخل.

< من يرفض تغيير ملابسه إلا في المناسبات بالرغم من غناه الفاحش، وهذا إنسان يعيش دائم القلق والتوتر والخوف.

< من لا يخدم إنساناً آخر إلا بمقابل مالي كالطبيب الذي لا يجدد وصفة طبية إلا بدفعة، ولا يصف دواءً إلا عبر شركة أدوية كريمة معه، والمحامي الذي يُتصل به لدعوته الى العشاء فيدفع المتصل بدل أتعاب بدولارات قليلة، وصاحب الدكان الذي لا يحسم بضعة قروش خوفاً من الفقر الذي بات عنه بعيداً.

< الشاب الذي يدّعي أن سيارته مركونة وهناك من أقفل طريق المرآب حتى تمر عليه صديقته وتقلّه الى السهرة.

< من يدّعي تناسي المحفظة في المنزل حتى يدفع من معه الفاتورة عنه.

< الذي يأكل بنهم وجشع حيث حلّ ويعتمد الحمية في المنزل.

< الذي يفتش عن أزرار الكهرباء والإنارة في أرجاء المؤسسة والبيت ليطفئها توفيراً حتى عند الحاجة إليها.

< الذي يدعو صديقته الى العشاء ليقول أنا لست جائعاً، أنت اطلبي ما تشاءين، سأكتفي بفنجان قهوة!! حتى تخجل ولا تأكل بمفردها...

الى ما هناك وكلها حالات مرضية موجودة وبكثافة. وبالطبع هناك علاجات سلوكية تخفف من حالة البخل، ولكن منسوب الالتزام بها ضعيف، أولاً لأن تطبيقها يعني تحريك القروش في الجيب وهذا شبه مستحيل، ثم لأن العلاج النفسي نفسه يتطلب مجهوداً ومصروفاً. فالحل يبدو بعيداً...

 هل ثمة دراسات أجريت لمعرفة من الأكثر بخلاً الرجال أو النساء؟ وهل من إحصاءات لتحديد ما إذا كان منتشراً أكثر لدى شعوب دون سواها؟ وما يحكى عن بخل اليهود مثلاً؟

ـ الرجل، إحصائياً، أكثر بخلاً من المرأة، وغالباً ما يُصدم بالزواج من مبذّرة، فيكرهها علناً ويتذمر منها حتى أمام أصدقائه، بالرغم من اكتفائه المالي وحتى غناه. أما المرأة البخيلة فهي غالباً ما تكون ورثت هذا الأمر إما من ظرف عائلي، كالتي تربت عند خالتها أو جدتها، او اعتادت على التوفير، لكن بخلها لا يطالها فهي تتكرم على نفسها أو ربما أولادها وتبخل على زوجها والآخرين تنفيساً لغضب دفين...وإما من كونها تقارن نفسها دائماً بالأخريات، في إطار التنافسية الأنثوية، فتدّخر مالاً متراكماً لتظهر بحلة غنية في المناسبات بينما تبقي براد منزلها مكتفياً بالحد الأدنى من المطلوب. أما الشعوب التي ارتبطت بالبخل، فغالباً ما تكون عاشت سطوة أو اضطهاداً أو حروباً او اجتياحات متكررة من شعوب أقوى، ما أضعف عندها مقومات الثبات والاستقرار، فاعتمدت إبقاء الفائض حتى يستعمل في الأيام السوداء. والاسكتلندي يدخل في هذا الإطار. بينما الشعوب التي تعتقد عرقياً أنها مختارة، فهي تؤمن بأن مال العالم كله لها وحدها وبالتالي يجب ألا تساعد وتفيد مادياً إلا من هم مثلها في الانتماء العرقي والديني. لذا تعطى أمثلة كبرى عن البخل الأسطوري لهذه الجماعات، بالأخص الذين يعانون من الشتات والذين يحثهم دينهم على التوفير.

إقرأ أيضاُ سبب السلبية وسبب الايجابية

 كم يمكن تقدير ما إذا كان البخل منتشراً أكثر لدى الطبقات الفقيرة أم الغنية ولماذا؟ 

ـ لا علاقة للكرم والبخل بالغنى والفقر، فإن عدداً كبيراً من الفقراء أو متوسطي الدخل مستعدون للتكارم على أفراد العائلة والأصدقاء، لأنهم بحاجة لهم وللزملاء للانطلاق الاجتماعي نتيجة عدم الاكتفاء الذاتي عملياً. أما الغني، المكتفي ذاتياً، فلا يقدم على أيٍّ من هذه الأعمال الانفتاحية إلا بهدف نيل الحظوة والتكريم أو المباركة الربانية، ويكون غالباً من المتبرعين للمؤسسات الدينية والاستشفائية وما شاكلها. أما مع بقية الناس الذين وُجدوا أصلاً معه وارتبط بهم وهم محسوبون بين أصدقائه، فلا حاجة إطلاقاً للتكارم عليهم، فهم برأيه، بحاجة إليه.

والذي يولد لدى أب وأم بخيلين، هل من المنطقي أن ينشأ بخيلاً هو الآخر؟

ـ من الثوابت أن من يولد في كنف أم وأب بخيلين سيكون بخيلاً، لكن هناك استثناءات تقوم على مبدأ التمرد على الحرمان وترقّب اليوم الذي سيأتي ويرث مالاً وفيراً من أبويه. وإن لم تتم الوفاة بالسرعة المبتغاة، تنتفض الحالة التمردية ويتمخض عنها تبذير واضح يضطر الأهل لمجاراته مكرهين. لا علاقة مثبتة للوراثة بالبخل، ولكن البيئة تلعب دوراً أساسياً والتوجيه العائلي كذلك، لأن السلوكيات هي نتيجة محطات الاستيعاب الأولى وبرمجة ردود الفعل بعد الغريزة عند معشر الأطفال وهي مفتاحها لاحقاً. ويمكن تحصين الأطفال منه قبل أن ينشأوا عليه ويعتادوه، ولكن البخيل غالباً ما يفضّل أن يكون أولاده مثله في التقنين وما يشبهه، تماماً كالإنسان الذي يطعم أولاده طبخة باللحم ويبقي لنفسه الخضار كي يعلّمهم معنى التضحية فيحذون حذوه مستقبلياً...

Image gallery

Comments