Post Image

سلاح المرأة اليوم... المشاركة في عصمة الطلاق!


الأربعاء 2014/10/22

تحقيق: تغريد حامد

 

عصمة الطلاق في يد المرأة؟! كان السؤال الاستهجاني الذي يشوبه بعض الاستنكار وربما الجهل مقابل سؤالي حول القضية... وفي معظم الأحيان كان مصحوباً بضحكة عريضة وكأنها نكتة ظريفة! لماذا؟ ماذا يمنع أن تمسك صبية أو امرأة ناضجة العصمة فتمارس حقها في الخروج من زواج لا فكاك منه إلا بإرادة الزوج الذي قد يمتنع عن ذلك ظلماً وتعنتاً؟! الشرع الإسلامي لم يتغاضَ عن حق الزوجة المحدود في الطلاق، فأعطاها حق العصمة، في حين أن الموروثات الثقافية الجامدة القائمة على الأيديولوجيا الذكرية ترفضه، فهل فعلاً تتعارض العصمة مع الرجولة؟! آراء دينية واجتماعية، وأخرى من أهل الإعلام والفن حولها... من مع ومن ضد؟!

 

تجربة راوية في زواجها الأول جعلتني أفكر ملياً بهذا التحقيق. فالمرأة عانت الأمرّين مع رجل شكوك عصبي حاد الطباع يضربها لأتفه الأسباب، مع شتائم وإهانات طبعاً! وقد تحمّلته هي من أجل طفليها الى أن كاد يقتلها بوحشيته ذات يوم، فنُقلت الى المستشفى وهي في حالة سيئة! هذا «الضرر» للأسف لم يكن كافياً لـ «تفريقها» عنه في المحاكم وقد امتنع بإرادته عن طلاقها، فلم تحصل عليه إلا بعد ثلاث سنوات وتدخّل شخصيات البلدة ومشايخها!

راوية لم تقبل بالزواج ثانية، وهي ابنة الثامنة والعشرين من عمرها، إلا بعد جهد جهيد وبعد موافقة العريس على شرطها الأوحد: أن تكون العصمة في يدها، خصوصاً مع وجود الطفلين في كنفها. والحقيقة أن الرجل، وهو زميلها في العمل، وافق ببساطة لأنه كان يعلم ما عاشته من ألم ومهانة، فلم يشكّل شرطها أي عقدة لديه أو شعوراً بالخجل! أما هي، فتقول معبّرةً عن تقديرها له: «موقفه قمة الرجولة والجرأة، فهو يعلم نظرة الناس والمجتمع وما يمكن أن يتعرّض له من استنكار وسخرية ومع ذلك لم يأبه أبداً لأنه رجل منفتح وحسن النية»!

تمهيداً لهذا التحقيق رحت أسأل من حولي ومن ألتقي ـ من الجنسين ـ حول مسألة تمليك عصمة الطلاق للمرأة. لأول وهلة كان السؤال يثير الاستهجان ثم النكات. وكانت الإجابات تفضح جهلاً أو بعض جهل بهذه القضية لدى كثر... أحدهم أجابني مستظرفاً «تريدين لامرأة أن ترمي الطلاق عليّ وتقول: أنت طالق بالثلاثة؟ إي وداعاً للرجولة إذاً!». ويحتجّ آخر قائلاً: «حتى ولو كنت أريد هذا الطلاق لن أقبل بأن تبادرني هي به، أنا الذي أطلّق لا هي. ألست أنا الرجل؟».

لم تكن الفكرة مستساغة من معظم الذكور، ولا حتى من بعض الإناث، فإحدى السيدات رأتها منافية لـ «كرامة» الرجل ولمفاهيم المجتمع بل وربما قيمه أيضاً! «معقول؟ بدّك يانا نطفّش العرسان؟ هيدي إهانة للرجل لن يقبلها أبداً ولن يقبل بأن يعيش مع امرأة تهدده بالطلاق»... هذا ما تفضّلت به من ردّ! والحقيقة أن كلامها صدمني لأن ابنتها الكبرى التي لم تُوفّق في زواجها لم تطلّق بسهولة وكان زوجها ينوي تركها كالمعلّقة لولا وساطات أهل الخير وتنازلها عن حقوقها الشرعية كلها! بل ويقال إنه حاول ابتزاز أهلها مالياً مقابل الطلاق! ما فاجأني هو الجهل المطبق لدى صبايا في عمر الزواج بمسألة العصمة، وثمة من لم يسمعن بها حتى، لكن معظمهن بعد الاستفسار تحمّسن لها.

ما هي العصمة في الطلاق وما معنى أن تُملّك للمرأة؟ ولماذا هي مستنكرة اجتماعياً؟ الطلاق في الإسلام هو حق من حقوق الزوج، فقد جعله الله في يد الرجل لأنه «أقدر على تقدير المسؤوليات والعواقب»، لكن الشريعة الإسلامية لم تتجاهل حقوق المرأة فجعلت للزواج والطلاق أنماطاً متقدمة لا ينبغي تجاهلها، والعصمة أحدها... وقد استدلّ الفقهاء عليها بأن النبي (صلعم) خيّر نساءه بين الإقامة معه أو مفارقته لما نزل قوله تعالى {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها...} هي إذاً فقط تفويض من الزوج بأن تطلّق نفسها منه إذا أرادت. أما الطلاق فهو بيد الرجل. لذلك يختلف الفقهاء من علماء المذاهب الإسلامية على تمليكها العصمة ومنهم من يرفضه تماماً... لماذا؟ ثمة من يلطّف إجابته بأن يعلّل قائلاً إن المرأة عاطفية ويمكن بسبب انفعالاتها ومشاعرها التسرّع لأتفه سبب في تطليق نفسها! لكن منهم من يبرر ذلك بالقول الفج بأن النساء «ناقصات عقل ودين» أو بحسب ابن رشد «لنقصان عقلهن وغلبة الشهوة عليهن مع سوء المعاشرة» (!) ويمكن للعصمة التي تنافي قوّامة الرجل برأيهم أن تكون وبالاً على الزواج والأسرة! فالرجل برأيهم هو الأكثر قدرة على ضبط مشاعره والأكثر عقلانية وإدراكاً لما يترتب عليه الطلاق من تبعات مكلفة إن مادياً أو أسرياً.

وبالرغم من النظرة الاجتماعية السلبية الى تمليك المرأة عصمة الطلاق، فإن نسبة النساء اللواتي يطلبنها أو يشترطنها للزواج تزداد في العالم الإسلامي. فقد كشفت مثلاً دراسة حديثة صدرت عن مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية والجنائية من سجلات مأذوني مصر (موثّقي عقود الزواج) أن هذه الحالات ارتفعت في السنوات الثلاث الماضية الى 16 ألف حالة، وأن ثمة حالة كهذه مقابل 80 زواجاً، بل وتصل الى حالة من بين 25 زواجاً في بعض المناطق. وتكشف الدراسة أن عدد الزوجات الحاصلات على العصمة بلغ أكثر من 50 ألف امرأة من بين النساء اللواتي أردن الإمساك بحق تطليق أنفسهن عند الضرورة. وتكشف دراسات اجتماعية أخرى أن غالبية هذه الحالات هي لسيدات يتزوجن رجالاً أقل منهن مالياً أو اجتماعياً أو وظيفياً وما العصمة سوى للاطمئنان بأنه بإمكانهن الطلاق من دون عقبات أو مشاكل مع الأزواج.

دانا التي أحبت شاباً دون مستواها المادي والاجتماعي، أصرّ أهلها بعد ممانعة لزواجها منه، على أن تكون العصمة في يدها. هذا كان شرطاً للموافقة عليه أخيراً. «برأيهم جاء طامعاً بمالنا». تقول دانا. «لكنه قبل بالشرط وملّكني العصمة إثباتاً لحسن نيته. نحن اليوم متزوجان ولدينا طفل ونعيش بسعادة».

هل استخدمت دانا «عصمتها» ذات يوم لتهديد زوجها بالطلاق؟! تضحك: «أبداً ولا كمزحة. الحقيقة أننا نسينا أمرها تماماً».

في لبنان حالات «عصمة» قليلة من هذا النوع. ثمة أيضاً سيدات يتزوجن من أجانب وعرب ويخشين سفر أزواجهن بلا عودة، فيطلبن أن تكون العصمة في أيديهن ليضمنّ طلاقهن بأنفسهن بدلاً من البقاء معلّقات الى الأبد دون جدوى.

أليس هذا من حقهن؟ حسناً... لنسأل أهل الفن والإعلام عن آرائهم في تمليك العصمة للمرأة! وهل يمكن أن يقبلها رجالهم وتطالب بها نساؤهم؟ أم أن الأمر مستبعد لما فيه من «إخلال» بميزان الرجولة والأنوثة وما الى ذلك...؟!

سلام الزعتري: لا ينبغي للرجل اعتبارها إهانة

 

الإعلامي سلام الزعتري يقلّب الفكرة في رأسه قبل البت فيها فيقول:

ـ برأيي المساواة بين المرأة والرجل مغالطة. لا يمكن أن تتحقق بطبيعة الحال. لا الرجل يشعر بألم الولادة ولا المرأة يمكنها أن تقوم بوظيفة الرجل، نحن نكمل بعضنا. بالنسبة الى الطلاق يمكن أن تكون المسألة اختيارية. بمعنى أن يتفقا على تمليكها العصمة وجعلها في يدها أيضاً، لكن المصيبة إذا كانت امرأة مستبدة وطلاقها تعسفياً... يضحك ثم يقول بجدية: برأيي لا ينبغي للرجل أن يعتبرها إهانة، فهذا منطق شرقي عتيق ومتخلّف، فليعطِها هذا الحق لأن ذلك سيجعله أكثر رجولة وشهامة. والرجل الذي يرفض ذلك لديه عقدة نقص، إذ أين المشكلة في ذلك؟ ولماذا تخيفه أن تكون العصمة في يدها؟ إذا أرادت الطلاق هل يجبرها على البقاء كزوجة؟!

رندلى قديح: هي ضرورية في مجتمعات ذكورية

 

المخرجة رندلى قديح تؤكد، كونها امرأة، أنها مع طلب العصمة في الطلاق، لكنها تتساءل كم من الرجال يتقبّلون ذلك:

ـ هي ضرورية في مجتمعات ذكورية حيث يلحق الظلم بالمرأة وحيث أزواج يعنّفون زوجاتهم ويقتلونهن في كثير من الأحيان. ثمة رجال يمتنعون عن الطلاق نكاية وانتقاماً من زوجاتهم لا حباً بهن ولا رغبة بالبقاء عليهن. وقد تبقى المرأة معلّقة لا زوجة هي ولا مطلّقة تعسفاً وظلماً. الأمر بات مقلقاً وهذا ما يشجّع كثراً على اللجوء الى الزواج المدني. إذا كان بمقدور المرأة تملّك العصمة، فهذا أمر جميل يساهم كثيراً في تحسين وضعها. فهو يحررها من ظلمه لو زغزغ النية فيما بعد. أنا تزوجت من أجنبي زواجاً مدنياً حيث حقوقنا متساوية. لذلك لم تخطر في بالي قضية العصمة. لكنني أتساءل كم تحتملها العقلية الشرقية السائدة؟ ما زالت مستهجنة إذ يعتقدون أنه من المهين للرجولة أن تقف امرأة لتقول في وجه أحدهم «أنت طالق»، مع أن الأمر ليس كذلك. فهي تطلّق نفسها منه وبموافقته ومن دون أن تحرمه من هذا الحق. أعتقد أن على رجال الدين تعريف العصمة وتفسيرها لكلٍّ من الفتاة والشاب لدى الزواج، لتعرف هي حقوقها وليتأكد هو من أنها ليست مهانة له. برأيي أن الثقافة والانفتاح لدى الثنائي، إضافة الى التفاهم والثقة والحب المتبادل بينهما قد تجعل من العصمة أمراً غير مستنكر.

رابعة الزيات: وسيلة لحماية المرأة

 

الإعلامية رابعة الزيات تتساءل أين الغلط في أن تملك المرأة العصمة في الطلاق:

ـ لا أرى في هذا الأمر إساءة للزواج ولا لغيره، فالعصمة لا تكون مع الزوجة إلا برضا الزوج. وهي حق يعطيه الشرع الإسلامي للمرأة، فلماذا لا تستخدمه وقايةً لها مما قد يطرأ في المستقبل، خصوصاً في ظل قانون أحوال شخصية قاسٍ وتمييز وظلم لها في معظم القوانين؟ أنا لم أطلب العصمة لدى زواجي، ولكن مع كل ما نسمعه من حوادث عنف زوجي معظمها ينتهي بالقتل، ومع تمنّع أزواج حيال الطلاق وتصلّبهم الكيدي، لا أجد في العصمة للمرأة سوى وسيلة لحماية نفسها. للأسف ثمة مفاهيم مغلوطة نتعلّمها في بيئتنا من التربية وهي ذكورية بمجملها، تجعلنا نتنازل عن حقوقنا كنساء ونبقى تحت جناح الرجل. برأيي إذا طلبت المرأة العصمة تتغير أمور كثيرة. فقد توفر عليها المعاناة والقهر كما قد تدفع الرجل الى الحرص أكثر على زواجه وبيته ويحسن معاملتها أكثر...

[ هل يمكن أن تشجعي ابنتك مستقبلاً على طلب العصمة؟

ـ كل ما أودّ فعله هو أن أربيها على الحرية والانفتاح والسعي من أجل حقوقها والثقة بالنفس لتكون نداً مع الرجل. وسأتركها تقرر بنفسها، فقد تختار العصمة أو ربما زواجاً مدنياً... من يعلم؟!

عمار شلق: إعطاء حق الطلاق لأحد الزوجين غلط

 

الممثل عمار شلق يرى أن الانفراد بقرار الطلاق من قبل أحد الزوجين هو أمر سيئ وخاطئ:

ـ هذه التركيبة التي تعطي حق الطلاق لأحدهما غلط. فالطلاق أمر مهم يخص كلاً من الثنائي. لذلك لا يمكن لأي منهما الانسحاب وقتما يشاء بدون الاتفاق مع الآخر. فمثلما كان ارتباطهما بالاتفاق يكون الانفصال.

[ لكن الاتفاق يحصل مسبقاً لدى الزواج، حين يملّكها حق العصمة، فهذا الحق لا يكون إلا بالتراضي بينهما. وهي فقط شريكة في تقرير مصيرها.

ـ الاتفاق ينبغي أن يكون أيضاً لدى الانفصال. هذا رأيي.

[ ثمة واقع تكثر فيه المشاكل والألم، وهذا الحل...

ـ أفلاطوني؟

[ نعم... ماذا لو عزّ الاتفاق كما يحدث في كثير من الأحيان؟ ماذا لو كانت تكابد منه العنف والظلم ولم يستجب لطلبها في الطلاق؟ كيف تُحل المشكلة؟

ـ هي أيضاً لو أعطيت العصمة قد تتصرّف مثله. فالمشكلة واحدة.

[ ما الحل إذاً؟ قانوني مدني؟

ـ ربما هذا صحيح، لأنهما المعنيان المباشران والوحيدان به، ولا أحد يستطيع إجبارهما على البقاء معاً أو التفريق بينهما أبداً.

زينة جانبيه: معها وسأطلبها حين أتزوج

 

زينة جانبيه تجد في تمليك المرأة العصمة في الطلاق هو الخلاص «الشرعي» لها من زواج قد يدمّرها:

ـ العصمة حق منحه الشرع للمرأة يمكن لها أن تستعمله كسلاح للدفاع عن نفسها وكرامتها. في الطلاق هذا الحق هو للرجل إلا إذا اشترطت الزوجة المشاركة فيه. فلماذا لا تستعمله؟ التجارب الكثيرة المؤلمة حولنا تدفعنا إليه. كم وكم من رجال يأبون الطلاق فقط لتعذيب زوجاتهم وإذلالهن. صحيح، العصمة مرفوضة من معظم الرجال على اعتبار أنها تمس بكرامتهم ورجولتهم. أن تقول له يوماً: بطلقك؟! «صارت معي». ثمة من فاتحته بهذا الشرط، رفض الفكرة ثم عاد وقبل ولكن بشرط مقابل وهو الاتفاق على ما يحفظ حقوقه المادية. الرجل يفكر بمصالحه أيضاً: لكِ حق العصمة ولكن بالطلاق تخسرين حقوقك المترتبة عليه من مهر ونفقة و... تصوّري! ألغيت فكرة الزواج من أساسها، ولم أتزوج حتى الآن لكثرة ما أسمعه وأراه من المشاكل التي عانى منها غيري. أنا باختصار مع العصمة وأعتقد أنني سأطلب الحصول عليها حين أتزوج. أما بالنسبة الى العريس، فلن يعتبرها إهانة إذا كان فعلاً يحبني ويحترمني ويرغب في الارتباط بي.

سعيد الماروق: أنا ضد أن تكون العصمة مع ذكر بل مع رجل

 

المخرج سعيد الماروق يخلص الى حل إن كان ليس هناك من بدّ: العصمة بيد المحكمة فقط!

ـ ثمة تخوّف من تمليك المرأة العصمة لماذا؟ لأنها عاطفية، حساسة وحنون وستتصرّف تبعاً لتركيبتها هذه. ولا عجب أن تقول لزوجها عند كل صغيرة وكبيرة طلّقني. الرجل أكثر صبراً وتمالكاً لنفسه وغضبه وأكثر عقلانية في تعامله مع الأمور. وهذه ميزة لمصلحتها تتفوق فيها على الرجل. على صعيد العمل السينمائي مثلاً، هل تعرفين أن النساء هن المفضلات في عمل المونتاج؟ السبب أنهن أكثر رقّة وحنيّة بالمقص. وتركيبة المرأة مختلفة عن الرجل وإلا فلماذا في الأولمبياد فئة رجال وفئة نساء؟ لتفاوت الطاقة البدنية بينهما والتي تتأتى من الطاقة النفسية والعكس صحيح. لذلك أنا أجدها ملائمة لوزارة التربية مثلاً لا لوزارة الدفاع.

[ وماذا عن أزواج يعنّفون زوجاتهم ويظلمونهن ويمتنعون عن تسريحهن بإحسان؟

ـ الرجل الظالم المستبد ليس برجل. هو ذكر وأنا ضد أن تكون العصمة أساساً مع ذكر بل مع رجل.

ويطرح الماروق فكرة: لماذا ننقل القضية من يد الى يد؟ العصمة هي وهم سلطة. وإذا أردنا تحقيق عدالة اجتماعية لحياة ومستقبل أفضل ينبغي إلغاء كل ما هو وهم. فتُلغَ عصمة الرجل ولتكن بيد المحكمة. هذا حل متوازن. إذ لا المجتمع الذكوري يحمي المنزل الزوجي ولا المجتمع الأنثوي يفعل ذلك!

منير الحافي: أقترح اكتساب ثقافة الزواج

 

الإعلامي منير الحافي مع حقوق المرأة كافة ولكن هو ليس مع «الأمور غير الطبيعية»:

ـ ثمة رجال لا يتعاملون مع المرأة كإنسان له كرامته وكيانه، بل يحاولون دائماً فرض سطوتهم وسلطتهم عليها بوحشية وعنف. وقد رأينا ذلك في جرائم تعنيف زوجي عديدة ومرعبة. في مثل هذه الحالات وحين يتجرّد الزوج من معاني الرجولة وقيمها المتمثلة بالشهامة والعطاء والمروءة، تصبح العصمة أكثر من ضرورية. لكن ليس جميع الرجال خطّائين، لذلك لا يجوز تعميم العصمة على جميع الزوجات. فأنا لا أحب كل ما هو مخالف للأمور الطبيعية التي تعارف عليها الناس منذ آلاف السنين، وبدلاً من ذلك أقترح العمل على اكتساب الرجل ثقافة الزواج وتهيئته، بحيث يصبح أكثر رقياً وإنسانيةً في تعامله مع زوجته ومع المرأة عموماً. شيء آخر أتمناه هو العمل على تحقيق العدالة الحقيقية في محاكمنا الشرعية على اختلافها والبتّ في القضايا بطريقة أسرع لا تعلق فيها القضايا والمصائر. وما أقبله لبنات الناس أقبله لابنتي أيضاً. إذا كان الشاب خلوقاً ومحترماً فتأكدي أنني لن أطلب منه تمليكها العصمة.

دارين حمزة: قد أطلبها لي ولابنتي لأنها حق

 

برأي دارين حمزة أن الشرع الإسلامي ما كان يذكر حق المرأة بالعصمة إلا لأهميتها في ظروف كثيرة:

ـ التوافق هم أهم الأمور بين الثنائي. والزواج الفاشل قد ينعكس ظلماً على الزوجة وأذى إن لم تستطع الخروج منه بسبب تسلّط الرجل وكيده. صحيح أن عصمة الزوجة في الطلاق لا تجعل من الزواج الفاشل ناجحاً، لكنها توفر عليها الكثير من المعاناة. وفي الواقع ثمة الكثير من حكايات الظلم والعنف الزوجي حولنا يجعلنا نفكر بضمانات أخرى واقية غير حسن الاختيار والثقة، لأن الحياة علّمتنا أن كل شيء يمكن أن يتغير مع الأيام! ثمة سيدات يتنازلن عن جميع حقوقهن من أجل حريتهن قائلات «دخيلك ما بدي شي بس طلّقني»!

نعم أنا شخصياً يمكن أن أطلب العصمة لأنها حق شرعي لي، كذلك يمكن طلبها لابنتي مستقبلاً.. لمَ لا؟!

 

بمعزل عن فلسفة الأمور: لدينا واقع يعجّ بالمشاكل والآلام، فلا «الخلع» عالجها ولا «التفريق للضرر» نجح بذلك... العصمة حل جاهز لا يتعارض مع الدين ولا مع القيم. فهي ليست فقط حقاً شرعياً ولا حقاً قانونياً، بل هي حق إنساني قد يوفر بعض العدالة والإنصاف ويوفّر على المرأة قهراً قد يُمارس عليها باسم الدين والشرع... فلمَ إهماله؟! وما رأيكم دام فضلكم؟!

 

رأي الدين

تفويض منه لتطليق نفسها

 

قاضي بيروت الشرعي والرئيس السابق لمحكمة بعبدا الشرعية السنية الشيخ أحمد درويش الكردي عرّف العصمة في حديثه معنا وأجاب عن بعض الأسئلة حولها:

ـ العصمة هي تفويض من الزوج لزوجته بأن تطلّق نفسها منه ـ لا أن تطلّقه كما يعتقد كثر ولا تنزع منه بذلك حق الأصيل في الطلاق متى شاء ـ وقد يكون هذا التفويض مطلقاً أو مقيداً، فالأمر يتمّ بحسب التفويض، فإذا قال لها: لك أن تطلّقي نفسك طلقة لا يقع الطلاق. كذلك لا يقع إن هو فوّضها بطلاق نفسها طلقة واحدة بائنة فطلّقت نفسها ثلاثاً. أما لو فوّضها ثلاثاً وطلّقت نفسها واحدة فإن الطلاق يقع لأن في التفويض الأكثر يقع الأقل.

وإذا كان التفويض مقيداً بزمان ولم تطلّق نفسها خلاله سقط حقها في هذا التفويض. وإذا فوّضها تفويضاً مطلقاً لا بد من قبولها به وإلا فكأنه لم يكن. ولذلك يدوّن هذا التفويض في عقد الزواج. ويجوز له تفويضها بطلاق نفسها منه بعد الزواج وذلك بإثباته بوثائق رسمية حتى يكون مقبولاً أو بشهادة شاهدين.

[ العصمة في يد المرأة لا تحرم الزوج حق الطلاق كما يعتقد العامة؟

ـ أبداً، الطلاق هو بيد الرجل أصالة وبيد الزوجة تفويض. في حين أنه إذا أوكل بطلاقها شخصاً آخر غير الزوجة، وهذا حق للزوج، فالأمر يُعتبر توكيلاً.

[ هل تمليك المرأة عصمة الطلاق تحرمها من حقوقها في الصداق والنفقة مثل الخلع؟

ـ إذا رُبط هذا التفويض بتطليق نفسها طلقة بائنة لقاء إبرائها له من كامل الحقوق الزوجية ومن مؤخر الصداق ونفقة العدة وقبلت الشرط، فيتمّ الطلاق بحسب الاتفاق. أما إذا كان التفويض غير مشروط فإنها تحصل على حقوقها كاملة.

[ هل من حالات عصمة كثيرة تُسجّل في عقود الزواج في المحكمة السنية الموقّرة؟

ـ هي ليست نادرة ولا كثيرة. هي في الواقع قليلة تحدث إما فذلكة وإما بسبب قلق المرأة من شيء ما في الزواج أو بسبب رغبة عند الأهل في الاطمئنان على ابنتهم ومستقبلها مع رجل ربما لا يطمئنون كثيراً الى ارتباطها به... هذا كل ما في الأمر.

مع أن تأخذ المرأة هذا الحق

 

العلّامة السيد محمد حسين فضل الله يقول:

ـ العصمة بيد الرجل فلا يمكن أن يجعلها لإنسان آخر أو للمرأة. ولكن هناك صيغة أخرى يراها فقهاء المسلمين الشيعة، وهي أن تشترط المرأة أن تكون وكيلة عنه في طلاق نفسها باعتبار الوكالة غير منافية لكون العصمة في يده، وقد أعطاها هو هذه الوكالة، كما يمكنه إعطاؤها لأي شخص في تطليق زوجته. وهي وكالة غير قابلة للعزل لأنها انطلقت من الشرط في العقد والمؤمنون عند شروطهم. وتستطيع المرأة أخذ هذا الحق بشكل مطلق «زوّجتك نفسي شرط أن أكون وكيلة عنك في طلاق نفسي متى أردت» أو بشروط تحددها مثل زواجه بأخرى ولها أن تشترط ما تشاء في العقد. وبذلك فإن الإسلام لا يضيّق عليها ولا يغلق عليها الباب في أن تملك التصرّف بحريتها في إنهاء العلاقة الزوجية من خلال هذا الشرط المذكور ضمن العقد.

ونرى كثراً من الرجال يبتعدون عن الأخلاق السامية في علاقاتهم مع زوجاتهم، ولديهم تصوّر خاطئ وهو أن الرجل يملك السيطرة المطلقة على المرأة، بحيث يحق له أن يضربها أو يشتمها أو يطردها من البيت وما الى ذلك... في مثل هذه الظروف إذا أصبح الواقع المنحرف ظاهرة اجتماعية ضاغطة، فإنني أشجع على أن تأخذ المرأة هذا الحق لنفسها، لتخفف من غلواء الرجل في هذا الاتجاه الخاطئ.

 

Comments