Post Image

كيف أستعيد قوتي وحريتي


الأربعاء 2015/05/27

 

التحوّل

إذا حاولت مرة الإقلاع عن التدخين حينها ستعرف ما يتطلب من قوة الإرادة لتغيير عادة معينة. لكنني رأيت بدهشة تحوّلات جذرية وسريعة في سلوكيات العديد من الناس من خلال التأمل. لأنه الاسلوب البسيط الذي يُعيد إلى الروح كل الصفات الإيجابية من خلال نسيان الأسلوب السلبي. ومهما كانت السلبية التي قد تهاجمني أو مهما حملت من سلبية في عاداتي (إنطباعاتي) ، فالوعي الروحي كفيل بإحداث تغيير فوري. ومع إن إحياء الإيجابية يتطلب وقت ولكن حماس الإكتشاف يسمح لعملية التنظيف أن تحصل تلقائياَ وبطريقة ممتعة. عندما أكون بوعيي الروحاني أستطيع استشعار كل صفاتي الأصلية. ولكن عندما أنسى هويتي الأبدية، الروح، النقطة النورانية، فسأجد نفسي إنجرفت مجدداً إلى هويتي الجسدية مع كل إحتياجاتها ورغباتها. في الحقيقية أن كل إنطباعاتي السلبية نمت من خلال هذه الهوية المزيفة، وتلعب دورها بقوة كلما عدت إلى هذا الوعي الجسدي. وبالعكس، هذه النزعات السلبية تفقد قوتها مباشرةً عندما أمارس الوعي الروحي مجدداً. في حالة الوعي الروحي، أكون حرّة وكريمة العطاء مع الآخرين أما في حالة الوعي الجسدي فإحترامي لنفسي يعتمد كلياً على مركزي في المجتمع ومظهري الخارجي وممتلكاتي وأشخاص معينين وسأحاول التمسّك بكل هذه الأمور. لكن الحقيقة هي أنني لا أعرف حتى إلى متى سيبقى هذا الجسم فكيف أضمن بقاء علاقاتي وممتلكاتي. فإذاً كلما تمسّكت وتعلقت بكل هذه الاشياء كلما زادت معاناتي. كلما تعمق وعيي الجسدي كلما أصبحت أكثر تملكاً وإعتماداً على كل شيء، المركز والمال والناس والجاه وحتى الماضي وآرائي. في الواقع سأصبح متحجر ولا شيء سيتدفق مني سوى الخوف وذلك بسبب وعيي المحدود.

إقرأ أيضاً مكونات الروح البشرية

حتى الشعور بالحب الحقيقي يصبح نادر وصعب. وما أعظم العواقب الناتجة من مجرّد سقطة صغيرة من الوعي الروحي إلى الوعي الجسدي.

وهذا هو نفس الوقوع أو النزول المتجسدّ معناه في قصة آدم وحواء وأكل الفاكهة المحرمة من الشجرة التي تسببت بالعقاب أو نزولهما من درجة الجنة. وفي الحقيقة هذه الفاكهة هي مجرد رمز للوقوع في ملذّات الوعي الجسدي. وهذه القصة هي قصة كل واحد منّا حين نخسر كل كنوز السعادة الأبدية عندما نسقط من درجة الوعي الصافي بالروح وننجرف بالوعي الجسدي. فكل جوانب السلبية تبدأ بهذا المفهوم الخاطيء عن حقيقة من أكون. فعندما أفقد وعيي بأنني روح سأفقد حتماً سيادتي على كل حواسي وبالتالي ستجّرني بعيداً عن الحقيقة. وسأفقد قوتي وإحترامي لذاتي. وفي الوعي الروحي أستعيد حقيقتي وسيادتي. وأعلم، أنني الروح الكائن النوراني، سيّد جسدي وأستخدمه للتعبير عن مشاعري الإيجابية ومشاركة أفكاري. أنا الروح أدخل بهذا الجسم في هذا العالم المادي، عالم الأفعال، أتلقى المعلومات اللازمة والنافعة من العالم حولي من خلال حواسي. وهذه الطريقة الأمثل لإستخدام الحواس.

 

 القوة والمسؤولية

لتنمية الوعي بأنني روح أمر سهل لكنني أحتاج إلى حس المسؤولية لرعاية هذا الوعي. فعندما أبدأ يومي بالتأمل يعني أنني أنبش من داخلي كل الأفكار والمشاعر والطباع الإيجابية وأصبح جاهزة ومتسلحّة بها للدخول في عالم الأفعال والعلاقات مع الآخرين، وهذه الميزات الإيجابية ستؤثر حتماً على سلوكي ونظرتي وتصرفاتي معهم. وبهذا الشكل أتغيّر شيئاً فشيئاً ويتغيّر المحيط والعالم من حولي. لأن الطاقة التي أجلبها إلى محيطي إيجابية. فعندما تنبعث ذبذبات إيجابية من عالمي الداخلي الصغير فحتماً ستصل وتلمس حياة الآخرين. لكن عندما أكون في الوعي الجسدي تلّم بي تعقيدات سلوكي السلبية فينكمش قلبي وينقبض معه عالمي الداخلي. وسأميل إلى عزل نفسي عن الآخرين لتفادي التواصل معهم.

أما عندما أكون في الوعي الروحي فسأدرك أن إمكانياتي هائلة وأستطيع أن أغير حياة مئات الآلاف بمجرّد فهم وتقبل أنني المسؤول عن نفسي وعالمي الداخلي.

فإدراكي بأنني المسؤول عن خياراتي، أفكاري، مشاعري، عواطفي وشخصيتي، وبأنني المسؤول عن ردود أفعالي على الظروف والآخرين، حتماً سيجعل التفاعلات والردود الصادرة مني إيجابية ومسؤولة.

إقرأ أيضاً كيف أُسقط خَوفي من الموت

التأمل يعلمني كيف أخلق أفكار خيّرة وحقيقية ومشاعر تجلب السعادة الدائمة لي وللآخرين. يُريني كيف أتدبّر في الحياة بأسلوب يُزيل عنّي الفراغ الداخلي والخوف والعدائية وسلوك الإدمان. وهذا بحد ذاته يمدّني بالقوة والإيجابية.

فالإدمان أساساً يأتي نتيجة فقدان هذه القوة. وهو لايقتصر على المخدرات فحسب. فهناك أيضاً إدمان من نوع آخر قلة ما نُدركه. وهو الإدمان على صفات في الشخصية مثل الغرور والغضب والطمع وعادات التملك والتعلق الشديد. وكل هذه تنشأ من خلال محاولاتنا لتعبئة الفراغ الداخلي الذي نشعر به. ومهما شعرنا بإكتفاء من خلال ممارسة هذه الأساليب الإدمانية، فهو اكتفاء مؤقت فقط ونبقى بحاجة دائماً للمزيد منها على حساب طاقة الآخرين والبيئة وأنفسنا.

إقرأ أيضاً كيف ألمس نوري الداخلي

وفي مجتمعاتنا المادية أصبح التشجيع على التعبير عن الرغبات الشهوانية شائع ويبدو ممتعاً أيضاً خصوصاُ فيما يتعلق بالعلاقات الحميمية. فيتم إستغلال الدوافع الجنسية لغرض التجارة لبيع السلع والخدمات.

فإذا أردت الحرية يجب أن تتكّون لدي أولاً الرغبة في الوصول إليها. فطالما أعتقدت أن الجنس والغرور وتملك الآخرين والطمع والغضب هم تصرفات عادية وجزء لا يتجزأ من الحياة، فيعني ذلك بأنني أيضاً أتقبل وجودهم في داخلي بسهولة، وسأعيش مع إدماناتي هذه غافلة عن مخاطرها.

صحيح أننا نشهد في عالمنا اليوم الكثير من العنف والغضب والغرور وفشل العلاقات والطمع والفساد وفقدان حس المسؤولية الإجتماعية، لكن في نفس الوقت هناك توعية تأتي عبر صوت داخلي يقول "يجب أن تكون هناك طريقة عيش أفضل".

عندما آتي مجدداً الى الوعي الروحي سأعرف ما هي وكيف أصل إلى هذه الطريقة.

إقرأ أيضاً سبب السلبية وسبب الايجابية

فبإستشعار قوة السلام والرضا الطبيعي في كياني خلال التأمل، سيقّل شيئاً فشيئاً إعتمادي وإدماني على تلك السلوكيات كسبيل لملء الفراغ في قلبي. وسأستعيد القوة لتحمّل مسؤولية أفكاري ومشاعري وأفعالي. ففي الوعي الروحي يستعيد ضميري قوته ويرشدني إلى ما وراء ما يُمليه عليّ عقلي وأصبح متيقظة على نوعية أفعالي. وأدرك إلى أين أوصلتني هذه الإدمانات وكيف دمّرت حرّيتي الداخلية وإعتمادي على نفسي. وبذلك أبدأ بالتحرك بعيداً عن تأثيرات حواسي عليّ. فأوقف محاولاتي الأنانية لتغيير الآخرين الذي يأتي نتيجة الهروب من مواجهة وتغيير نفسي. وأدرك أن السلام الداخلي الذي يولد من إدراك الحقيقة والألوهية الموجودة أساساً في داخلي هو أعظم مدخرّاتي الثمينة. وإعادة ترميمه هو أفضل هدية شفاء أقدمها لعالم مضطرب.

ريتا مسلم – تأمل الراجا يوغا  

 

 

Image gallery

Comments