Post Image نفس

الشــغـف.... متى ينجح ومتى يصبح خطيراً؟


الخميس 2014/10/02

في التعريف اللغوي للشغف «هو مأخوذ من الشغاف أي غلاف القلب»، وفي التعريف العلمي له، هو ليس محصوراً بعاطفة جيّاشة تخطف القلب نحو آخر، بل هو الشغف العاطفي، السياسي، الرياضي، وربما سوى ذلك. فهل هو مرادف للحب؟ وهل يتساوى معه في التعريف الشعبي بأن «الحب أعمى»؟ هل تخطئ مشاعر الشغف كما تخطئ مشاعر الحب؟ هذا الموضوع كان محور نقاش مع الدكتورة في علم النفس العيادي والاختصاصية في العلاج النفسي والجنسي عاتقة جاري. 

 

بداية تعرّف د. جاري الشغف بالقول:

 هو عاطفة قوية موجّهة الى شخص معين، أو كما يُعرف بالفرنسية Coup de foudre، وترجمتها للعربية ضربة صاعقة. إنه الإعجاب المفاجئ وبدون تفكير بين شخصين لدرجة أن لا شيء خارجي يعنيهما. ننجذب الى الشخص الآخر ونبقى بحاجة ماسة لرؤيته. تتكوّن هواماتنا سريعاً، وهذا يدل على غرائز بعيدة كل البعد عن الوعي أو العقلانية. لا يمكننا الخلط بينه وبين الحب الذي هو عاطفة قوية وتعلّق شديد فيه الحنان والانجذاب الجسدي بين شخصين. قد يكون في الشغف عاطفة، لكن الأهم فيه هو الإعجاب المفاجئ الذي يمكن أن يكون قوياً بموضوع ما لدرجة تتجاوز العقلانية. ففي تعريف «الحب أعمى» ثمة خطأ، لأن الشغف هو الأعمى. قد ينشأ الحب من واقع، كأن تتزوج صبية شاباً بدون حب ومن ثم تحبه خلال المعاشرة لكونه حنوناً وعطوفاً، في حين يتخذ الشغف صفة اللاعقلاني.


[ هل الشغف عاطفي ـ جنسي أم اجتماعي ـ سياسي وغذائي كذلك؟


ـ لا شك هو عاطفي ـ جنسي، اجتماعي ـ سياسي، وغذائي وغير ذلك. وما دام الشغف عاطفياً وله علاقة بأحاسيسنا، فهو جنسي جسدي. أما التعبير الآخر فيكون في مجالات أخرى سياسية، اجتماعية، علمية أو فنية. هو موجود في أيٍّ من مجالات الحياة ولدى أي إنسان يعشق نشاطاً معيناً. هناك مثلاً رجال شغوفون بكرة القدم، أو السياسة من دون أن يكونوا سياسيين. إذاً نحن حيال نوعين منه: الشغف المتناسق المتناغم ويكون في مجالات الحياة كافة من عمل، أسرة، نشاطات وغيرها. والشغف الهجاسي، وهو خطير لأنه يحل في مكان تنتج عنه حاجة ماسة وغير منضبطة وليس لها حدود، وطارئة للخوض في مجال انفعالي. والانفعال هو قلق، غضب، إحساس بالذنب... وغير ذلك. وهذا الشغف يتخطى الانفعالي إلى السلوكي، يقود إلى غش، كذب وعدوانية ولهذا هو أعمى.


[ هل هو مرتبط بالقناعات؟


ـ أكيد يرتبط بقناعاتنا وبالأمور التي مرّت في حياتنا خلال مرحلتي الطفولة المبكرة (من الولادة حتى عمر الثلاث سنوات) والمراهقة. الطفولة المبكرة جدّ مؤثرة في العلاقة مع الأم، الحب، الحنان، وكيفية الرضاعة. كل ما يحدث خلال هذه المرحلة يُسجّل في ذاكرة الطفل، أي أن القناعات ترافق الشخص منذ بداياته وخصوصاً تفاصيل العلاقة مع الأم، الأخوة، زملاء المدرسة. إذاً الشغف مرتبط بتاريخ الإنسان.


[ وكيف يتكوّن في القلب ويصبح عاطفة جامحة بدون ضوابط؟


ـ نحن هنا حيال رأيين مختلفين: الشغف السلبي الذي يؤدي إلى هجاس، وبالتالي إلى اللاعقلانية حيث يصبح الإنسان خارج نطاق السيطرة وخاضعاً لغرائزه كما الحيوان، وحيث اللاوعي الاجتماعي  والضوابط التي يتشكل منها، هذا ممنوع وهذا مسموح، وهي أمور ننشأ على انضباط وفقها، كالخروج إلى الشارع ونحن نرتدي ملابسنا. وثمة رأي آخر يقول إنه بفضل الشغف نتوصل إلى معرفة الحقيقة. وهو رأي محللين وفلاسفة، فمن وجهة نظرهم أن الشغف يساعد على التوصل إلى النجاح.


[ ما الذي يجذب رجلاً نحو امرأة وبالتالي يدخلان حالة الشغف؟


ـ ينجذب رجل لامرأة ربما بدافع الجمال، اللباس، أو حتى القساوة التي تتميز بها، وقد يجذبه إليها السلوك المنحرف. وقد لا تعنيه امرأة في غاية الجمال والرقة ويجد فيها برودة. الشغف هو انجذاب، كأن تُغرم إحداهن مثلاً برجل طويل وأشقر، في حين تتجاهل آخر طويلاً وأسمر. إنه الانجذاب الموجود داخل الدماغ من خلال البرنامج الجيني للبحث عن عوامل مكمّلة لدى الآخر لا شعورياً.


[ إذا تزوّج ثنائي بناءً على مشاعر الشغف، هل يُصدمان إن لم يتحول إلى حب؟ أو إذا تراجعت رغبتهما الجنسية بعد زمن قصير من الارتباط؟


ـ الصدمة ممكنة في أي ظرف من الظروف، لأننا بشر ولأن الشغف حالة معيّنة لها علاقة بقناعاتنا ورغباتنا وأحاسيسنا، يمكنها أن تهتز بأي عامل طارئ. كما لها علاقة بهواماتنا (الفانتازم). وعندما يكتشف الزوجان أن أحدهما أو كليهما يبتعد عن الآخر تصبح الأمور محسومة. وإن وصل أحدهما إلى اللامبالاة والآخر ما زال يشعر بالشغف، تكون المشكلة واقعة. وهنا على المختص أن يبحث عن الأسباب. فالسؤال يوجه إليه لمَ هذا التحول. إذ ثمة تحولات كبيرة تحصل بين الطرفين نتيجة كلمة واحدة فقط من أحدهما تجرح مشاعر الآخر. وقد يكون السبب اقتصادياً.


[ وهل من الطبيعي أن تبقى العلاقة الجنسية في أوجها؟


ـ ثمة نماذج بشرية تمكّنت من الحفاظ على الشغف والحب في أعلى مستوى ممكن. منهم من تحول من الشغف إلى الحب، ومنهم إلى الكراهية.


[ لكن العلاقة الجنسية العاصفة هي التعبير العملي عن الشغف، في حال زواله هل تنتهي؟


ـ نعم تنتهي. وثمة أشخاص يرتضون الاستمرار في حياتهم هذه لأسباب ما ناتجة عن وضع اجتماعي، اقتصادي، مادي، وجود أطفال، وسوى ذلك. وثمة آخرون يفضّلون الانفصال.


[ في لحظات الشغف العاصف ما هي الهورمونات التي يفرزها الجسم؟


ـ يفرز الجسم هورمون الحب Phenylethylamine، هورمون التعلق Ocytocine، وهورمون السعادة Endorphine. والأخير مرتبط بالرغبة واللذة الجنسية.


[ وإلى متى يستمر في إفراز هورمون الحب  والشغف؟


ـ لا يتوقف مطلقاً، بل علينا تجديده وتنشيطه بالرغبة من خلال تجنب الروتين، الملل، التعب، الإرهاق، الـ Stress، والاكتئاب الذي من شأنه أيضاً أن يخفّض مستوى الشغف، ويترك الإنسان بعيداً عنه في إحساسه ودماغه، ولا يجد ما هو جميل في الحياة. إذاً تتراجع الهورمونات ولا تتوقف، لذا على كل شخص التحلّي بحيوية تنشيطها وإخراج نفسه من الملل من خلال ممارسة الرياضة، وزيارة الطبيعة كلما تسنى له ذلك. وهنا لسنا فقط في مجال التحليل والنصائح ليكون النشاط الجنسي في أحسن حال، بل هو الواقع. فالمزاج لا شك سيتبدل نحو الأحسن من خلال مشروع عشاء وسماع موسيقى مع الأصدقاء مثلاً، وهذا ما يمنعه من دخول العزلة والاكتئاب.   


[ وما الذي يحل مكان الشغف عندما يتراجع؟


ـ تحل اللامبالاة وعدم الاكتراث بالآخر. وهما يعنيان الإهمال أو عدم الإحساس بوجوده. هذا ما يؤول إليه الشغف إن لم يتحول إلى حب.


[ وكيف يمكن الحفاظ على مستوى الانجذاب القوي بين شريكين؟


ـ هي مهمة صعبة بدون شك. على الطرفين بذل الجهود للحفاظ على مستوى الانجذاب والتجدد، ومعرفة ما الذي ينقص الآخر، وما الذي يرغبه للحفاظ عليه وعلى الانجذاب نحوه. ولأن المهمة صعبة، يقول أحد الطرفين معللاً ومبرراً «أنا أقوم بكل شيء فما هو المطلوب؟»  وقد يقول آخر «لا أعرف كيف أرضيها». توجد قطبة مخفية في العلاقة الزوجية المتأرجحة يجب البحث عنها، وهذا يتم عبر الحوار المطلوب بين الزوجين. كمختصين عادةً ما نطلب منهما الخروج من المنزل إلى مكان فسيح وجميل للحوار في كل التفاصيل، واكتشاف مكان الخلل بينهما. وإن لم يتوصلا إلى حل، فهذا متاح خلال جلسات العلاج مع مختص في مركز العلاج الجنسي.


[ هل لقاء السرير بينهما، وبعد مرور زمن على علاقتهما، يمكنه أن يكون دائماً على مستوى مرتفع من الشغف؟ وكيف؟


ـ نعم ولا. نعم، لأن هناك زيادة في الرغبة والإعجاب. ولا، نتيجة الملل وعدم التوصل إلى الأمر المطلوب. إذا كان هناك حب فمن الممكن الحفاظ على مستوى معين من الشغف. كيف؟ هذا يتم بالتجديد والحوار والاهتمام من قبل الطرفين.  

 
[ وكيف يتحول ويبقى في تحوله حالة إيجابية في حياتهما؟


ـ يتحول إلى حالة إيجابية إذا صار حباً، عندها تصبح الحياة جميلة. أما الشغف بمفرده بعيداً عن الحب فيبقى ناقصاً. والإنسان يحتاج إلى الحنان والتبادل الفكري، العطف، المودة والاحترام، وهذا متوفر
في الحب.


[ أخيراً، هل الإنسان دائماً مصيب في مشاعر الشغف التي يعبّر عنها؟


ـ ليس بالضرورة.

حوار: زهرة مرعي

Comments